الفصل السابع والعشرون من رواية طمس الهوية بقلم اسماء المصرى

الفصل السابع والعشرون طمس الهوية

 

دفن عزيزة قلبه وغاليته التي قضى معها طفولته وشرب من عذب أمومتها التي لم يجدها ممن حملته بداخلها تسعة أشهر وللآن حقا لا يجد سببا واحدا مقنعا لقلبه المعذب لذلك النبذ والكره الذي تكنه له والدته الذي نُشئ بداخلها.

 

ترك المقعد وتحرك كعادته ليتفقد قطعة روحه القابعة أمامه دون حراك ببشرتها الباردة وتلك الأسلاك التي تدخل أنفها وفمها وذلك الطنين المزعج والشيئ الوحيد الذي يدل على أنها على قيد الحياة.

 

قبل جبينها وخرج لتفقد صغيريه فصغيره قد دخل هو الآخر بحالة صدمة وارتعاش مع انخفاض درجة حرارته بشكل أثار قلقه وها هو يقبع بالمشفى بجوار أخته الصغرى كل منهما يمر بحال مغايرة للآخر ولكن يجتمعا على شيئ واحد أنهما ليسا بخير.

 

نظر لهما من خلف الزجاج الذي يظهرهما داخل تلك الحجرة المعقمة لهما خصيصاً ودمعت عينيه وقد سمح لعبراته أن تنزل غير مهتم لمن يراها من العاملين، فهل يوجد من هو أغلى من نطفة الإنسان ليشعر بتلك الغصة المؤلمة من أجلهم؟

 

وجد يد تربت على ظهره وما كانت إلا لعمه الذي ابتسم له بسمة مقتضبة وهو يكلمه بهدوء:

-كله هيعدي يا بني، وحد الله.

 

أومأ وهو يمسح عبراته بظهر يده:

-ونعم بالله.

 

سحبه ليجلس بجواره وتكلم معه بنفس النبرة الهادئة خوفا من إزعاجه وإثارة غضبه مجددا فقد عانى الجميع وحتى هو نفسه من نوبة غضبة الجحيمية التي طالت الجميع باليومين المنصرمين، ولكنه جاء لتوه من مراسم دفن مربيته ولعله هدأ قليلا فقد كان ثائرا حزينا على تأخير دفنها بسبب إجراءات الشرطة التي وجدها لا داع لها:

-مازن حجز القاعة عشان العزا بالليل وكله تمام.

 

هز رأسه موافقا على حديثه فربت الأول على كتفه:

-طيب ايه رأيك تروح تاخد شاور وترتاح شويه لحد بالليل!

 

رفض وهو يعض داخل فمه:

-مش هينفع اسيب عيلتي لوحدها، كفايه هسيبهم بالليل.

 

حاول إقناعه بالعقل والمنطق ربما، ولكنه يعلم أن ما يمر به ابن أخيه لا يمط لا للعقل ولا للمنطق بصلة:

-ما أنت عشان تاخد بالك منهم لازم ترتاح، أنت مش شايف شكلك عامل ازاي؟

 

صمت قليلا وأضاف:

-من امتى فارس الفهد بيقع في النوم على كرسي في مستشفى ولا تركيزه زيرو بالشكل ده؟ ده كله من قلة الراحه فلازم ترتاح عشان تقدر تكمل ومن هنا لبليل مفيش حاجه هتتغير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *