الفصل الخمسون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري
الفصل الخمسون حارة الدخاخني

ما إن رأته حتى انتفضت من مكانها، واندفعت نحوه دون تفكير، وأمسكت بذراعه وهي تسأله بلهفة اختلطت بالخوف:
-إنت كنت فين كل ده؟ غبت عني ليه يا حمزة ومحدش بيطمني عنك، وأنا مش عارفة أعيش ولا فاهمة أي حاجة بتحصل بره!
حاول أن يهدئها، فأمسك بكتفيها ونظر إلى وجهها المرهق:
-اهدي يا ملك، أنا كويس.
صرخت:
-كويس؟! إنت فاهم أنا كنت عاملة إزاي وأنا مش عارفة عنك حاجة؟ وكل غياب منك افتكر انهم قتلوك.
=محدش قدر يعملها، متقلقيش.
نظرت إليه بعيون دامعة:
-وإحنا هنفضل هنا لحد إمتى؟ هنخرج من الحبس ده إمتى يا حمزة؟
تنهد وهو يمرر يده فوق رأسها، ثم قال بثقة حاول أن ينقلها إليها:
-قريب إن شاء الله.
=قريب إمتى؟
-لما أتأكد إنك بقيتي في أمان.
سكت لحظة، ثم تابع:
-ومحدش يقدر يتحكم فيكي تاني.
نظرت إليه بعدم فهم:
-يعني إيه؟
=يعني لا بابا، ولا رشوان، ولا حتى حسن.
تجمدت ملامحها عند سماع الاسم الأخير، أما حمزة فأكمل:
-هتكوني حرة، وقتها القرار هيبقى في إيدك إنتي لوحدك. تكملي حياتك مع مين، أو تبعدي عن الكل وتبدأي من جديد، محدش هيقدر يجبرك على حاجة.
هزت ملك رأسها وهي تمسح دموعها:
-أنا أخدت قراري أصلًا.
نظر إليها حمزة باهتمام:
-وقررتي إيه؟
=عايزة أبعد.
قالتها بحسم، ثم أضافت:
-أنا تعبت يا حمزة، تعبت من كل حاجة، من رشوان، ومن بابا، ومن حسن، ومن كل اللي حصل، أنا مش عايزة أفضل عايشة في الدوامة دي.
ظل حمزة ينظر إليها للحظات، ثم قال:
-لما نرجع وتشوفي كل المستجدات اللي حصلت، ساعتها بس هسيبك تقرري بنفسك إنتي عايزة إيه.
=بس أنا قررت.
ابتسم ابتسامة هادئة:
-يمكن تغيري رأيك.
حدقت فيه باستغراب:
-هو إيه اللي حصل؟
ظل صامتًا:
-حمزة، إنت خوفتني، إيه اللي حصل؟
لم يجبها، واكتفى بأن مد ذراعه واحتضنها، وربت على ظهرها في صمت، وكأنه لا يريد أن يضيف كلمة واحدة أخرى قبل أن يحين الوقت.
ظلت ملك بين ذراعيه للحظات، بينما راحت عيناها تحملقان في الفراغ، تبحث عن إجابة لم يمنحها إياها.
وحين ابتعد عنها، قال:
-استحملي شوية كمان، كل حاجة هتعرفيها في وقتها.
أومأت بصمت، بينما اتجه حمزة ناحية الباب، وقبل أن يخرج التفت إليها مرة أخيرة، ثم أغلق الباب خلفه.
كان صالح في الغرفة المقابلة ينتظره وما إن دخل حمزة حتى رفع صالح عينيه إليه، وظل يراقبه للحظات قبل أن يسأله:
-اطمنت عليها؟





