الفصل الخمسون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري
الفصل الخمسون حارة الدخاخني

فقط ظلت تحتضنها وتربت على ظهرها بحنان، بينما راحت عايدة تبكي كأنها كانت تنتظر هذا الحضن منذ أن فقدت ابنتها.
-ملك أم حسن… بنتي.
احتضنتها الأخرى أكثر، وردت بصوت متهدج:
-عارفة يا ختي… عارفة حاسة بيكي، ملك كانت بنتي أنا كمان، ده حسن مقطع نفسه عليها من يومها، لا بيشتغل ولا بياكل ولا بينام، كل يوم ينزل يلف بالساعات يدور على اي حاجه توصله للي عمل كده وبيرجع كأنك يا ابو زيد ما غزيت.
جلست عايدة إلى جوارها بعد أن هدأت قليلًا، بينما ظل حسن في مكانه أمام القبر، ينظر إلى اسم ملك المحفور أمامه وكأنه ما زال عاجزًا عن استيعاب أنها أصبحت مجرد اسم على شاهد قبر.
اقترب يوسف منه وربت على كتفه:
-حسن.
رفع عينيه إليه، ثم مسح وجهه بكفه وقال بصوت متحشرج:
-كنت محتاج أجي هنا.
جلس يوسف إلى جواره، وظل الاثنان صامتين للحظات، بينما بقيت عايدة وأم حسن على مسافة قريبة منهما تتحدثان بصوت منخفض.
قال يوسف بعد لحظات:
-إنت عامل في نفسك كده ليه؟ ده قضاء ربنا.
ابتسم حسن ابتسامة موجوعة:
-عشان مش عارف ألقي اللي عمل كده.
ثم نظر إلى يوسف نظرة متعجبة:
-اللي أنا مش فاهمه إنت إزاي بقيت كده؟ مش بس متقبل موت أختك بسبب شغل أيوك الزفت ده، لأ وكمان لسه بتشتغل معاه حتى بعد كل اللي حصل!
لم يجب يوسف وظل ينظر للقبر فصرخ حسن متألمًا:
-ده أنا كل ما أفتكر إنها هنا، ببقى مستني حد ييجي يقولي إن كل اللي حصل ده كان كابوس وإنها عايشة واني منزلتهاش القبر بإيدي.
صمت يوسف فالصمت بتلك المواقف يكون أحيانًا أبلغ من الكلام:
-أبوك لسه معرفش مين اللي عملها؟
لم يجب مباشرة وظل ينظر أمامه، ثم قال:
-أبويا معرفش، بس أنا عرفت وهاخد حق أختي منه قريب أوي.
التفت له بسرعة مفاجئًا:
-مين يا يوسف؟ مين؟
فهم يوسف نظرته وتحفزه وعلم إن أفشى ذلك السر سيغرق الحارة ببحر دماء لن تنتهي، فقرر الصمت.
وبعد لحظات، قال بصوت منخفض:
-نوصل بس لأي أخبار عن حمزة؟ عشان هو الوحيد اللي هيقدر يساعدني ناخد بتار ملك من غير ما نلاقي بحر دم.
رفع حسن عينيه إليه سريعًا، وتغيرت ملامحه:
-حمزة ليه حق ياخد تار ملك وأنا مليش وجود في الحكاية دي؟
=لأ مش قصدي كده.
-أومال قصدك إيه؟
ابتلع ريقه:
-ولا حاجة يا حسن، مقصدش حاجة بس عايز أطمن إن أخويا محصلش ملك وبعدها يحلها الحلال.





