الفصل الخمسون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري

الفصل الخمسون حارة الدخاخني

القوي لا يعرف معنى الخوف إلا عندما يفقد الشيء الوحيد الذي كان يظنه ملكًا له.

كان دائمًا قادرًا على إصدار الأوامر، يظن أن العالم كله يتحرك بإشارة من يده، واعتاد أن ينحني أمامه الجميع، ولا يجرؤ أحد يومًا على عصيان أمره، لكن القوة الحقيقية لا تظهر حين يملك الإنسان زمام الآخرين، وإنما حين يُنتزع منه زمام الأمور التي لا يستطيع السيطرة عليها، وحينها فقط، يكتشف أن المال لا يشتري الأمان.

كان عزام يكتشف ويعاصر تلك الحقيقة للمرة الأولى، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يكن يبحث عن عدو ليتخلص منه ويؤمن نفسه، بل كان يبحث عن أمانه المتمثل في ابنه وذراعه اليمنى.

عج المكان برجاله، والهواتف لا تتوقف عن الرنين، والأوامر تخرج منه متتابعة كطلقات متلاحقة، لكن لا أحد منهم استطاع أن يعطيه الإجابة التي يريدها، أين حمزة؟ ولماذا اختفى دون أن يترك خلفه أثرًا واحدًا يمكن أن يقوده إليه؟

ضرب عزام بقبضته فوق المكتب حتى ارتجت الأشياء الموضوعة عليه، ثم صاح في الرجل الواقف أمامه:
-يعني إيه محدش عارف مكانه لحد دلوقت؟ 3 شهور ومفيش خيط واحد قدرتوا توصلوا منه لمكانه!

ابتلع الرجل ريقه وأجاب بحذر:
-دورنا عليه في كل الأماكن اللي حضرتك قولت عليها يا عزام بيه، بس…

قاطعه بعنف:
-بس إيه؟
=للأسف مفيش أثر ليه.

رفع عزام عينيه إليه ببطء، كانت تلك النظرة وحدها كافية لجعل الرجل يتراجع خطوة إلى الخلف:
-اخرج.

لم ينتظر الرجل تكرار الأمر، وغادر سريعًا، بينما ظل عزام واقفًا في مكانه للحظات، يحدق في الباب المغلق أمامه، فاقترب منه يوسف يربت على كتفه:
-بابا!

شعر بانقباض كتفه أسفل راحته وتشنج عضلاته فأخفض صوته قليلًا:
-أكيد حد من أعدائك هو اللي عمل كل ده، أنا متأكد إن اللي قتل ملك وحاول يقتل حمزة هو نفسه السبب في اختفائه دلوقت.

استمع لزفرته القوية وتمتمه:
-صالح، مفيش غيره، بس للأسف مش قادر أوصله.

التقط هاتفه واتصل، وما إن جاءه الرد حتى قال:
-عايزك عندي حالًا يا صفوت.

لم ينتظر موافقة من الطرف الآخر، وأغلق الهاتف وبعد أقل من نصف ساعة، كان صفوت يقف أمامه.

دخل الغرفة بهدوء محاولًا أن يخفي ما شعر به من قلق، إلا أن عزام لم يمنحه حتى فرصة للجلوس:
-لسه مش عارف مكان صالح الأسيوطي؟

نفى صفوت برأسه:
-هو سهل كده نعرف مكانه؟ ده اختفى سنين ومحدش مننا كان عارف إذا عايش ولا مات.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *