الفصل الخمسون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري
الفصل الخمسون حارة الدخاخني

كان عزام يجلس في صدر المكان، وعلى الجهة الأخرى جلس رشوان فوق مقعده، محاطًا بزوجاته الثلاث، ناهد وصفية وماهيتاب حاملة صغيرها بحضنها.
أما رشوان فكان يبدو وكأن المرض أنهك جسده بالكامل، فوجهه شاحب، عيناه غائرتان، وأنفاسه ثقيلة، بينما جلست صفية إلى جواره تراقبه بقلق، وكانت ناهد وماهيتاب تجلسان بالقرب منه في صمت.
اقترب يوسف من والده:
-بابا، في إيه؟
رفع عزام عينيه إليه، ثم أشار إلى المكان المقابل له:
-اقعد.
جلس يوسف، بينما أخذت عايدة مكانها إلى جوار النساء، فنظر عزام إلى رشوان مباشرة:
-أنا عايز أعرف منك آخر حاجة وصلتلك عن حمزة.
ظل رشوان صامتًا، فكرر عزام سؤاله بحدة أكبر:
-رشوان، أنا بكلمك.
رفع الرجل عينيه إليه ببطء، لكن نظراته كانت شاردة، وكأن الكلمات تصل إلى أذنيه ولا تجد طريقًا إلى عقله:
-حمزة؟ هو حمزة عايش؟
=أيوه عايش بس مختفي، تعرف توصل لصالح؟
ظل رشوان ينظر أمامه دون رد، فاقترب عزام منه:
-طيب آخر مرة شوفت صالح إمتى؟ قالك إيه وطلب منك تعمل إيه؟ انطق.
لم يجب رشوان والتفت لناهد بتيه:
-هم بناتي فين؟
ربتت على كتفه:
-كانوا هنا يا رشوان ولسه ماشيين.
ضرب عزام كفه فوق ذراع المقعد:
-رشوان، بلاش شغل الجنان ده، بقولك صالح فين؟
انتفضت ناهد قليلًا من حدته، بينما بقي رشوان على حاله، لا يبدو عليه أنه يستوعب ما يحدث حوله، فصرخت صفية فجأة:
-إنت مش شايف حالته يا فتحي حرام عليك؟!
التفت إليها عزام بحدة، فوقفت صفية أمامه، والدموع تلمع في عينيها:
-الراجل تعبان، وإنت داخل عليه كأنه واقف على رجليه!
نظر إليها عزام ببرود:
-وأنا ابني مختفي بقاله تلات شهور وبنتي ماتت و….
=وهو ذنبه إيه؟ رشوان لا يعرف فين ابنك ولا صالح اللي عمال تسأله عليه، رشوان حتى مش عارف إحنا يوم إيه وأنت عارف كويس هو بقى كده ليه.
بكت:
-رشوان مش في الدنيا أصلًا من يوم موت ملك، كلكم عايشين، موجوعين عليها آه بس محدش فيكم مرض وحالته بقت كده غيره هو.
التفت عزام إلى رشوان مرة أخرى، ثم ظل ينظر إليه لثوانٍ. كان الرجل بالفعل في حالة يرثى لها، لا يكاد يرفع رأسه، وأنفاسه المتقطعة تخبر الجميع أن جسده لم يعد يحتمل ما يمر به، لكن عزام لم يكن يرى أمامه سوى ابنه الغائب.
وفجأة، وقعت عيناه على ورد التي كانت تجلس في طرف الغرفة، صامتة، واضعة يدها فوق بطنها المنتفخ.





