الفصل الخمسون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري

الفصل الخمسون حارة الدخاخني

جهله بحقائق الأمور كان كافيًا لإخراجه عن السيطرة، فلم يعد يفرق بين صديق وعدو، فصرخ بالجنيع حتى أصبح أقرب رجاله إليه يتخوف منه وربما يناظر اللحظة المناسبة لتركه وحيدًا.

غادر صفوت وظل عزام يلف حول نفسه، تارة ينظر من مافذة غرفة المكتب وتارة أخرى ينظر لابنه الآخر الجالس معه يجري العديد من المكالمات الهاتفية.

لحظات واستمع لصوت الباب ينفتح، فدخلت عايدة بوجه شاحب وعيون يحيط بها السواد:
-فتحي.

ما اللعنة؟ لازالت تناديه بهذا الاسم الذي يمقته ويذكره بفعلته الدنيئة بتوأمه:
-نعم.

بصوت باٍك ردت:
-عايزة اروح ازور ملك، وحشتني.

ضغط على أسنانه وقبضة يده والتفت ليوسف يأمره:
-خد أمك وديها المقابر تزور ملك.

أومأ الآخر ووقف يمسك والدته من راحتها المرتعشة يساعدها على المغادرة معه، وفور أن أغلق الباب وراؤه حتى صاح عزام يقلة حيلة:
-آهاااا، موتك هيكون على إيدي يا صالح الزفت.
••••
مشت بخطوات بطيئة إلى جوار يوسف، تستند إلى ذراعه بينما كان يقودها نحو قبر ملك، وكلما اقتربت من المكان شعرت بأن قدميها تثقلان أكثر، وكأن قلبها كان يعرف أن ما ينتظرها هناك لن يكون سهلًا عليها.

كان الصمت يحيط بالمقابر، لا يقطعه سوى أصوات متفرقة بعيدة، بينما ظلت عايدة تبحث بعينيها بين القبور عن قبر ابنتها، حتى توقف يوسف فجأة.

لم تفهم سبب توقفه في البداية، لكنها سرعان ما اتبعت نظراته، فتجمدت في مكانها عندما وجدت حسن جالسًا أمام قبر ابنتها.

لم يكن وحده، كانت أمه تجلس إلى جواره، وقد بدا على وجهها الإرهاق والحزن، بينما كان حسن مطأطئ الرأس، والدموع تنساب على وجهه دون أن يحاول حتى إخفاءها.

بدا وجهه شاحبًا وكأن الشهور زادت من ألمه وحزنه عكس ما يشاع أن الحزن يقل بمرور الوقت، ولكن في حالته الوقت ساعد على ازدياد حزنه.

توقفت عايدة عن الحركة وحدقت فيهما للحظات، ثم تمتمت بصوت مرتجف:
-حسن.

رفع حسن رأسه على مهل، وما إن وقعت عيناه عليها حتى ازداد انكساره، بينما نهضت أم حسن من مكانها، واتجهت نحوها دون تردد.

لم تحتج عايدة إلى كلمة واحدة، فور أن وصلت إليها، احتضنتها أم حسن بقوة، ودفنت عايدة وجهها في صدرها وانفجرت في البكاء.

كانت تعرفها منذ سنوات طويلة، جارة عمرها، وأمًا عاشت معها تفاصيل كثيرة لم تكن بحاجة إلى شرحها، ولذلك لم تسألها عن شيء، ولم تحاول أن تخفف عنها بكلمات لن تجدي نفعًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *