مكث بذلك المنزل المكون من طابقين للعشر الأيام المنصرمة منتظرا عودة رب عمله من سفرته المزعومة، وطوال تلك الفترة لم يهاتفه أحد أو يتحدث مع أحد سوى زميله بالعمل الذي هاتفه يوميا ليطمئن عليه، وكم شعر زين بالوحدة الشديدة وعلم أنه لا يملك لا عائلة ولا أصدقاء. لم يصدق حقا ما حدث معه بالرغم من تحذير رب عمله له وكأنه كان يعلم تماما ما سيحدث جراء تلك المشاعر التي كنها للشخص الخطأ، ولكن أحكام القلب هي من أوقعته بتلك الأزمة. أخرج ضحكة سخرية على حالة عندما وقف أمام المرآة ورأى عضلاته الغليظة والمصقلة بإتقان، وكم يبدو هو قويا من الخارج ولكنه هش وضعيف من الداخل، سهل كسرة وتم ذلك بنجاح ساحق ولم يتسبب فقط بألمه الخاص بل أوقع رب عمله في مشكلة يعلم تماما توابعها القادمة. منذ أن عمل لديه من أكثر من عشر سنوات وحتى الآن لم يفارقه ليوم واحد ولا حتى في سفرياته المتنوعة، بل والأكثر لم يفارقه عندما كان يختلي بتلك النساء اللاتي كان يمارس معهن الرزيلة قبل أن يعود لرشده وصوابه، والآن ها هو هنا بعيدا عن عمله ومنبوذ من رب عمله ولا يعلم متى سيصفح عنه فعلته وتساهله بالأمر. استمع لرنين هاتفه وهو يعلم تماما أنه أمجد؛ فمن غيره يوده ويتحدث معه يوميا: -ايوه يا أمجد. سأله الطرف الآخر وهو يتحرك خارجا من مهجعه المخصص للاستراحة: -عامل ايه يا زين انهارده؟ أجابه وهو يعود للجلوس على الفراش الأرضي الذي أعده لنفسه بذلك المنزل الغير مكتمل: -زي امبارح واول امبارح وكل يوم. أخرج تنهيدة عميقة وسأله: -الباشا رجع؟ نفى الآخر وهو يوضح: -لسه، شكله مطول. صمت فسأله أمجد: -أنت عملت ايه في موضوعك؟ شرد قليلا بسؤاله وهو يتذكر ما حدث بتلك الأيام الفائتة وكل ما حدث به؛ فبعد أن غادر منزل فارس صباح تلك الواقعة أخرج هاتفه وهو بطريقه لمنزله وهاتفها فأجابته بصوت وهن وضعيف بل ومرتعش: -نعم. لاحت بسمة ساخرة على وجهه وهو يعقب عليها ساخرا: -يا سلام على الرقة، بجد مشوفتش واحده أرق منك يا دعاء. تعجبت هي من حديثه فهمت بإغلاق المكالمة: -أنا هقفل. صرخ سريعا يحذرها: -اياكي، انتي متعرفيش انا اقدر اعمل ايه يا دعاء، اوعي تفتكري ان يتلعب بيا بالشكل ده وهسكت. دلفت غرفتها مغلقة الباب وراءها وتكلمت بهمس: -انا مش هعرف اتكلم دلوقتي، بابا وشادي بره ومش عايزه مشاكل معاهم. جعد جبينه وتكلم وهو يشعر بألمه الداخلي وقد تحول لحنق وكره شديدين: -كل اللي كان بينا كدب؟ معقول يا دعاء! ارتبكت وهي تجيبه متوترة: -مكانش كدب والله يا زين، بس أخويا اغلى عندي من أي حاجه وهو كان عايز ينتقم من فارس وبس، وصدقني انا اتفاجئت انه اخدك في الرجلين. ضحكاته العالية والمتتالية وهو يسخر من حديثها جعلتها تصيح به، ولكنها تداركت نفسها حتى لا يستمع لها أحد فعادت لهمسها وهدوءها: -انت بتضحك عشان متعرفش حاجه، لو تعرف انا مريت بايه... قاطعها رافضا لحديثها وهو يصيح بها بحدة اجفلتها: -كداااابه، قولتلك صارحيني وأنا هقف جنبك مكانش هيبقى الوضع كده... لكن انتي اذتيني انا قبل ما تفكري تساعدي اخوكي في اذيه الباشا، انتي متخيله إن اللي اخوكي عمله هيعدي كده بالساهل؟ تبقي متعرفيش فارس الفهد وبصراحه أنا عايز أقعد واتفرج وانا باكل فشار ولب، حقيقي هستمتع باللي هيعمله فارس الفهد ويمكن لاول مره اكون موافقه على كل حاجه ناويها. مرت على عقله لمحة من إحدى مكالماته مع زميله وهو يخبره بتلك القض*ية المقامة ضده من قِبل أخيها فعاد سريعا لتركيزه وهو يضيف: -والقض*ية اللي اخوكي رافعها عليا من ضمن انتقامه دي كمان مكنتيش تعرفي عنها حاجه؟ ابتلعت ريقها وتنفست بصوت مرتفع وكادت أن تبكي وهي حقا لا تعرف تعريف لما تمر به، هي تعلم بكل خطوة من خطة أخيها الإنتقامية وهدفه الأساسي مما يفعله، جل ما يهتم به بالإضافة للثأر لكرامته المهدورة على يد فارس أن يحدث فرقة بينه وبين ابنة عمها الراحل من أجل ان يكسبها بصفه، وبالرغم من محاولاتها إقناعه أنها لن تكن له مهما فعل، ولكن لم يردعه ذلك عن تنفيذ مخططه للنهاية، والآن ها هي تقف عاجزة بالمنتصف ما بين الواقع الواقفة بصدده الآن و بين مشاعرها التي تحركت رغما عنها لذلك الشاب الذي ربما بالبداية كانت تتلاعب به بعد أن أخبرها شادي بكل ما فعله به وأرادت الإنتقام لأخيها. صمتها جعله يخرج ضحكة سخرية وهو يقول بتأفف: -كله هياخد جزاءه يا دعاء وحقي اللي عندك انا هعرف اخده منك إزاي. انتبهت لتهديده لها بهذا الشكل الذي لم تره به من قبل فابتسمت بمرار وهي تتعحب: -هو ده زين اللي كان بيحكيلي عنه شادي، النبره دي والطريقه دي.. مش زين اللي أنا عرفته وحبيته... قاطعها صارخا ومعترضا على كلمتها: -متقوليش الكلمه دي، انتي عارفه كويس انتي داخله على ايه من أول لحظه فبلاش الطريقه دي عشان مش هاكل منها خلاص. عاد من شروده على صوت زميله الذي هتف عاليا: انت ساكت ليه يا بني؟ بقولك ما تيجي تقعد معانا بدل ما انت لوحدك كده. رد بعد أن ارتشف كوبا من الماء على دفعة واحده ليجلي به حلقه المر: -مش هينفع، طالما الباشا عطاني اجازه يبقى مش عايزني في الفيلا حتى وهو مش موجود، لأنه كان ممكن يقول انه مسافر ومش هياخدني معاه وأفضل انا في الحراسه عادي. فكر أمجد قليلا في حديثه الذي اتفق معه فسأله: -تفتكر الباشا لما يرجع هيعمل ايه؟ انت اكتر واحد عارفه فينا. قوس فمه ممتعضا وأجاب: -فاكر وقت ما عرف بجواز جنى هانم من الزفت ده كان عامل إزاي؟ أومأ أمجد مؤكدا: -أيوه، كان حاجه صعبه ويمكن اللي خلاه هدى شويه حمل ياسمين هانم وموت عمته. أكد زين على تفسيره: -صح، المرة دي بقى محدش هيقدر عليه وربنا يستر بجد من اللي ممكن يعمله، وهيكون حقه ومحدش هيقدر يرجعه عن اللي في دماغه. تنهد أمجد ووقف باحترام وهو يجد ياسمين تقترب منه فأنهى المكالمة بسرعة: -هقفل معك دلوقتي . أغلق الهاتف وأومأ برأسه يطأطئ رأسه بإذعان: -أؤمريني يا هانم. ردت وهي تبتسم له: -فارس راجع من السفر انهارده، حبيت أعرفك عشان تعمل حسابك بما إن زين مش هنا. أظهر السعادة على وجهه وهو يعقب: -يرجع بالسلامة يا فندم، تحبي اطلع عربيه تجيبه من المطار؟ رفضت وهي تتحرك للعودة للداخل فأوقفها يسألها بفضول: -مقالش لحضرتك حاجه عن زين؟ نفت والتفتت لتعود للداخل حيث تجلس مربية زوجها الحنون برفقة ابنة عمها وأخبرتهما على الفور: -فارس راجع انهارده. صدح صوت حنان السعيد والمشتاق: -يرجع بألف سلامه يا رب، البيت وحش أوي من غيره. جلست بجوارها فسحبتها حنان من كتفها واحتضنتها وهي تقول: -أومي يا بنتي خلي الخدم يعملوله الأكل اللي بيحبه ع العشا، وافردي وشك شويه يا ياسمين، فارس تعب اوي الفتره اللي فاتت من المشاكل وانتي بتشوفي ضغطه بقى يعلى ازاي، ولا هتتبسطي لو تعب ولا لا قدر الله جراله حاجه. عقبت عليها بلهفة: -بعد الشر، أنا بس تعبانه ومشتته ومش عارفه الاقي حل للمشاكل اللي احنا فيها. هنا تحدثت نرمين التي ربما لا تعلم بكل الحقائق، ولكنها تفهم جيدا ما يمر به الجميع بسبب الأحداث المزرية التي أوقعهم بها ابن عمها الأرعن: -متخليش شادي ينجح انه يفرق بينكم يا ياسمين، انتي فاهمه كويس إن ده هدفه حتى لو مش هتكوني له، بس فكرة أنه يخليكي بالشكل ده أنتي وفارس فده مكسب له هو واللئيمة دعاء اللي عمرها ما حبتك ولا فكرت غير في مصلحتها. أغلقت عينيها متأثرة بحديثهما واستمعت لحنان تضيف: -ماهر بيه اللي يرحمه كان عايش كل حياته في مشاكل زي فارس، وفـ الآخر تعب ومقدرش والمرض اتمكن منه ومات وهو في عز شبابه، وفارس يا حبيبي لو فضل في المشاكل دي هيتعب جامد، بس طول ما أنتي وراه وواقفه في ظهره عمره ما هيتكسر، انا شوفته مكسور مرة واحده بس من ساعة ما رجعت اعيش معاه، لما خسرك يا ياسمين. ربتت على ظهرها بحنانها وأضافت: -بيحبك لدرجة انه ممكن يتخلى عن كل حاجه عشان تفضلي معاه، فعشان خاطره اقفي جنبه وعدو الأزمة دي سوا زي الازمات اللي قبلها وإن شاء الله تكون دي نهاية المشاكل يارب. تضرعت نرمين هي الاخرى رافعة رأسها ويديها عاليا تردد: -يااارب. ❈-❈-❈ طرق الباب فأذن له ودخل مبتسما وهو يسأله: -خلاص نويت الرحيل؟ التفت يكمل جمع متعلقاته وهو يؤكد: -ايوه كفايه كده، الإتفاق كان على 3 ايام وأنا قعدت 10. جلس جابر على أحد المقاعد بجناح فارس الفاخر وسأله: -كل يوم بنعمل جلسة therapy ولحد دلوقتي متكلمناش فعليا عن المشكلة الحقيقية اللي سبتت الانتكاسه الجامدة دي. ترك فارس ما بيده وجلس أمامه ساحبا شهيقا عميقا وزفره بتمهل وهو يقول: -انت ليه مصر تفتح الصفحة دي معايا؟ أنا قولتلك مش حابب اتكلم فيها. نهض وهو يكمل حديثه: -ندمت بجد اني قولتلك. خلل جابر أصابعه بشعره مستسلما منه وهو يؤكد لنفسه أن هذا النموذج بالرغم من تخطيه للكثير من الأزمات التي لو مر بها أي من مرضاه لما ظل واقفا على قدميه شامخا هكذا كما يفعل هذا الذي أمامه، ولكنه يظل الحالة الأصعب في فهمه وعلاجه على الإطلاق. هو يقسم بداخله أنه لولا إرادة مريضه الشخصية بالشفاء لما استطاع أبدا الوصول معه لهذا المستوى، ولكن يبقى فارس الفهد هو نفسه الفهد الذي لا يمكن هزيمته بآية معركة حتى وإن كانت معركة علاجه. تكلم جابر بعد أن وقف مهندما بدلته: -موضوع مامتك لازم نتكلم فيه، بالرغم انك تقريبا مقولتش عنه تفاصيل بس انا عارف حضرتك ومتأكد ان زيارتها الأخيره هي السبب الرئيسي في انتكاستك مش موضوع أختك؛ فلما تلاقي نفسك عايز تحكي أو قادر تحكي فباب عيادتي مفتوح ليك في أي وقت، ويارب يكون ده في القريب العاجل عشان نحلق أي انتكاسه ممكن تحصل قدام. وافقه بحركة واحدة من رأسه فأخرج جابر ورقة مطوية بجيب سترته وناولها له وهو يخبره: -العلاج ده تفضل ماشي عليه فتره زي ما مكتوب، ياريت متنساهوش، وطبعا علاج الضغط يتاخد بانتظام زي ما الدكتور قالك. قضم جانب خده من الداخل وهو يحذره بطريقته المعهودة: -محدش يعرف طبعا باللي حصل. رفع جابر حاجبه وهو يسأله: -هو حضرتك دلوقتي بتأكد عليا السرية بين المريض والدكتور بتاعه؟ ده بجد! زفر فارس بفروغ صبر فهو يتوق للعودة لحضن زوجته وصغيريه الذي أشتاق لهم حد الموت فوضح: -أقصد على النزيف والعملية. حرك جابر رأسه رافضا لحديثه وحاول توبيخه: -يعني مصر على اللي في دماغك، بجد أنا مش فاهمك، عايز ايه اكتر من نزيف في المخ عشان تبدأ تفكر في نفسك شويه يا فارس باشا؟ لم يعقب عليه وعاد يكمل تجهيز حقيبته فأكمل الآخر حديثه: -لازم على الأقل واحد من القريبين منك يعرف عشان يبقى فاهم المؤشرات والخطورة، علشان لو لقى بوادر لأي تعب تاني يلحق ينقلك المستشفى، ولو المرة اللي فاتت عدت على خير بعمليه شفط للنزيف اللي اتجمع على فص الدماغ فممكن المرة الجايه متعديش يا باشا؟ مسد فارس لحيته التي أصبحت أكثف مما كانت عليه وتمتم مؤكدا: -انا هاخد بالي، ومش عايز حد يعرف وإلا... صمت فضحك جابر ممتعضا: -مفيش فايده، بنفخ في إربه مقطوعة مش مخرومة؟ غلظ من صوته وهو يشرح له: -يا فارس باشا حضرتك جالك نزيف في المخ وعمل تجمعات دموية خطر جدا واضطرينا نعمل شفط للدم ده عشان ميحصلش جلطه لا سمح الله، حضرتك فاهم خطورة الكلام ده، انا حبيت اعيد عليك حالتك يمكن تعرف الخطر اللي انت فيه ومع ذلك كل اللي هامك إن محدش يعرف، بجد أنا اول مره استسلم كده مع حاله عندي. لم يجيبه وظل واقفا يرمقه بنظرات عادية لا توضح أي تأثير قد بدى عليه من حالته الواهنة والتفت يغلق حقيبته وسأله وهو يوليه ظهره: -بلغت الأمن يخرجوا عربيتي؟ أجابه جابر بضيق: -أيوه يا باشا، هتلاقيها في الجراج والكاميرات كلها مطفيه متقلقش، بس اكيد شوفت الحالات اللي عندي كلهم أسامي كبيره ومرموقه ازاي؛ فالسريه هنا أهم حاجه ورفضك الخروج من الجناح كل الايام دي ... قاطعه وهو يخبره بوجهة نظرة: -انا معنديش شك في السرية بس عندي شك في اتزان الحالات اللي عندك لو حد منهم شافني وطلع اتكلم هنا ولا هنا. ضحك جابر وهو يسأله: -يعني الوزير (س) لو شافك هنا هيروح يقول أنا شوفت فارس الفهد في المصحة؟ ما كده بيعرف اللي قاله إن هو كمان كان في المصحة. أشاح فارس بفروغ صبر: -خلاص بقى، سيبني أمشي لإن مراتي وولادي وحشوني. قاد سيارته بلهفة ولكنه قام بالعديد من الاتصالات اللازمة لحل الأزمة وأهمها مكالمته مع محاميه فسأله عبر مكبر الصوت بعد أن أجاب عليه محفوظ: -عملت ايه في القضايا؟ رد محفوظ بمهنية شديدة: -قض*ية زين مجرد محضر كيدي إنه ضرب ولأن مجلناش أي إخطارات فالدعوة اتحركت للمحكمة بس هتخلص من اول جلسة إنه محضر كيدي. وتابع الأخير وهو يفتح تلك الملفات التي أمامه: -ق*ضية حضرتك ومازن بيه كمان هتنزل على ولا حاجه لأن مفيش أي إثبات بالإكراه على التوقيع غير كلمته قصاد كلمة سيادتك ومازن بيه فبرده الق*ضية فشنك. صمت فارس مستمعا لحديثه المتوالي: -وبالنسبة لقض*ية الخلع بتاعة جنى هانم فهي للأسف واقفه لحد دلوقتي مأخدناش أي أكشن. تجهم وجهه وهو يسأله: -ليه؟ رد موضحا: -واقفه على التوكيل اللي المفروض تعملهولي، جبت موظف الشهر العقاري لحد الفيلا عند مراد بيه بس مازن بيه رفض انه يدخلني من الباب وقالي لا هينفع تعمل توكيل دلوقتي ولا عايز عيلته تشوفني وتفهم الحكايه ايه، فمشيت من على الباب. وصل فارس على أعتاب بوابة فيلته فهتف يأمر محاميه قبل أن ينهي معه المكالمة: -طيب سيب موضوع التوكيل ده عليا واول ما يخلص هبلغك. دلف بسيارته من البوابة فاستقبله أمجد بترحاب: -حمدالله ع السلامه يا باشا. أومأ له دون أن يتحدث وأشار له: -هات الشنطه من العربية وقبل أن يقترب من الباب الداخلي وجدها تفتحه وتقف أمامه مبتسمة؛ فنظر لجمالها وما ترتديه من فستان بسيط غير متكلف، ولكنه أظهرها غاية بالرقة والجمال فأخذ الحقيبة من يد حارسه وأشار له بالعودة وأقترب منها ملقيا الحقيبة أرضا وانحنى هامسا: -وحشتيني. ردت هي عليه بنفس النبرة الهامسة: -وأنت كمان. لمعت عينه بالفرحة واحتضنها بقوة دافنا رأسه بتجويف عنقها وظل يشتم عبيرها بقوة ويحبسه بداخله فبادلته الحضن وهي تهمس: -وحشتني اوي اوي. ابتعدت عنه وخللت أصابعها بخاصته وسحبته للداخل وهي تخبره: -عملتلك العشا بنفسي. التفت ينظر لها متعجبا من نبرتها وهي تتابع: -توماهوك ستيك بالبراون جريفي و Mash potato و سوتيه. ابتسمت بوجهه وهي تضيف: -والحلو بقى مفاجأة. قبل راحتها وهو يومئ بسعادة: -تسلم ايدك مقدما. دلف غرفة الجلوس وانحنى يقبل راحة مربيته وهو يقول: -ازيك يا داده؟ ربتت على ظهره: -الحمد لله يا بني، حمدالله على سلامتك. نظر أمامه يسألها: -مش نرمين كانت هنا! مشت ولا ايه؟ أومأت توضح: -أيوه، أول ما عرفت أنك جاي قالت تسيبك ترتاح. سحب نفسا عميقا وتحرك ليصعد الدرج فأوقفته: -الأكل هيبرد، كل الأول وبعدين أطلع ارتاح. التفت يخبرها: -هشوف الولاد على ما تحضروا السفرة التفتت تخبر الخدم: -بسرعه الأكل. صعدت وراءه بعد أن طرق باب غرفة صغيريه وحمل الصغير جاسر الذي ظل يداعب وجهه ويتعلق بلحيته متمتما بصوت طفولي: -بابي، بباببي قبله من تجويف عنقه واحتضنه: -وحشتني اوي يا حبيب بابي. استمع لصوتها وهو يحدثه: -كان بيسأل عنك كل يوم ويدور عليك في الجناح وأوضة المكتب. ابتسم له وهو يعقب عليها: -حبيبي ده، بس خدي بالك عليه أحسن يقع من ع السلم طالما بدأ يتحرك لوحده. مسحت على ظهره وهي تطمئنه: -متخافش، انا وبوسي معاهم ليل نهار. التفت ينظر لصغيرته النائمة وهم بحملها ولكنه تراجع: -كان نفسي ابوسها، بس بدل ما اصحيها. نظر لوجهها البشوش وابتسامتها التي لم تفارق وجهها فسألها بحيرة: -الجميل راضي عني ولا أنا بيتهيئلي؟ أومأت وهي تحاول إخفاء خجلها؛ فالتفت ينظر للمربية وأمرها بغمزة عينه لتتركهما بمفرديهما ففعلت على الفور وترك الصغير بفراشه وسحبها من خاصرتها بقوة فارتطمت بصدره وتكلم بصوته الهادئ الذي لم تعتاده حتى الآن: -سامحتيني يعني؟ أومأت مؤكدة فسألها مجددا: -يعني خلاص صافي يا لبن؟ أومأت وهي تطرق رأسها بخجل مصطنع فابتسم لها يسألها: -ده كسوف ولا إغراء؟ قضمت أسفل شفتها بحركة إغراء متعمد ففعل بالمثل وهو يبتلع ريقه: -يبقى إغراء، وأنا متلصم أصلا. ضحكة رقيعة خرجت منها رغما عنها فحملها، ولكن صياح الصغير وما اتبعه من بكاء الصغيرة جعله ينزلها ليحمل كل منهما طفل ونظر لها وهو يقبل جاسمين: -اهم دول اللي انقذوكي من ايدي، خلينا ننزل نتعشا ونطلع نكمل صلح في جناحنا يا سلطانه. تراقصت ألسنتهما بقبلة طويلة ومتمهلة ولكنها سرعان ما تحولت لأخرى مشتاقة؛ فتعلقت برقبته تخلل أصابعها بخلفية رأسه فتألم وظهر على ملامحه ومحاولته إبعاد يديها عن رأسه فنزلت من على أصابع قدمها وسألته: -في حاجه؟ نفى فورا وقام سريعا بحملها متجها لفراشهما ليرسم خطوط منحوتة على جسدها الذي يتوق له، لحظات وتوغلت هي بلمساتها له حتى يهيئها ويتهيأ معها للقادم ولكن ما تعجبت له هو عدم استجابة جسده للمساتها، أما هو فظل يلتهم جسدها بشبق وهو يشعر بكم عال من الإثارة وعلى العكس مما يفترض أن يحدث لم يستجب جسده لتلك الإثارة. ابتعد ناهجا وزافرا بقوة وهو ينظر لنفسه مندهشا وتساءل بحيرة: -ايه اللي بيحصل؟ ردت هي تخلل أناملها خلف أذنه بنعومة: -معلش يا حبيبي تلاقيك بس تعبان شويه. لمعت عينه واعتدل بجلسته بعد أن كان يعتليها وجلس على طرف الفراش يتحدث ساخرا من نفسه وحاله: -يا سنه سوخه يا ولااااد. ضحكت ياسمين عاليا بانهيار من سخريته واستخدامه الدائم لأفشات الأفلام، ولكن تلك المرة نظر لها بضيق وهو يتحرك من مضجعه متناولا هاتفه وتكلم بجدية: -انا مش بهزر، دي كارثه. هاتف طبيبه الذي أجاب فورا ومازحا: -لحقت اوحشك؟ رد فارس بجدية زائدة يشرح له حالته وجلس على الفراش فجلست ياسمين على قدميه تقبله من عنقه وهو يتحدث ويخبر الطبيب بمعضلته واستمعت لصوت الطبيب الخارج من سماعة هاتفه يوضح: -أمر طبيعي لنوعية المهدئات اللي كنت بتاخدها العشر أيام اللي فاتوا، المهدئات دي بتعمل اولا ارتخاء عضلي ومعاها ارتخاء في الاعصاب فطبيعي اللي حصلك. سأله فارس وهو حانقا عليه: -كنت عارف الآثار الجانبيه دي ومع ذلك اديتهولي؟ أنت بتهرج؟ حاولت هي اثناءه عن توبيخ طبيبه فوضعت راحتها على لحيته ووجهه تمسدها بحنان واستمعت لصوت الطبيب وهو يخبره: -أظن حضرتك كنت أدرى بحالتك كانت عامله ازاي، والمهدئات طالما مدتها قليله فبتخرج من الجسم بسرعه، متقلقش. سأله وهو يصر على أسنانه: -اد ايه كده؟ أجابه محركا رأسه باستسلام من حالة مريضة: -يومين، تلاته مش اكتر. احتدت نظراته وهو يجدها تومئ له وكأنها تخبره لا بأس سأنتظر؛ فشعر بنيران بداخله من الوضع الموضوع به وسأله: -مفيش حل أسرع؟ فهم طبيبه لما يلمح فأجابه بعملية: -لو بتفكر تاخد منشطات فطبعا همنعك من ده، أولا عشان حضرتك سليم ومش محتاجها والوضع الحالي ده مؤقت، وثانيا لأن العملية اللي عملتها مش عايزه المجهود اللي بتدور عليه، ده غير ارتفاع ضغط الدم اللي بيكون نتيجة للمنشطات دي و... أثناء توضيحه للأمر استمعت ياسمين لحديثه عن عملية جراحية؛ فتركت الضحك والحديث وظلت تسأله بقلق: -عمليه ايه يا فارس؟ رد عليا عمليه ايه؟ لم يجبها وأنهى الحديث مع طبيبه: -تمام، بس تاني مره لما تديني علاج تقولي على آثاره وأنا اختار آخده ولا لأ، مش اتفاجئ بدوا مخليني عالم زي حتة المارشيملو. ضحك الطبيب على تشبيهه وضحك اكثر بعد إغلاقه للمكالمة دون وداع أو سلام، وما كان من فارس إلا أنه نهض يتبعها تلك التي وقفت أمامه تسأله بإصرار: -رد عليا عشان خاطري. اقتربت منه وحاوطت عنقه بذراعيها ترتفع على أصابع قدميها لتصل لطوله ونظرت بتركيز داخل حدقيته وسألته بإهتمام: -عمليه ايه يا فارس؟ وحياتي عندك تقولي انا عارفه انك بتحب تخبي كل حاجه بس المفروض متخبيش عني انا. تعلقت أكثر بعنقه فلامست مؤخرة رأسه فظهرت علامات الألم وشعرت هي بشيئ منتفخ قليلا فنزلت من على أطراف أصابعها وسحبته لتجلسه على الفراش والتفت حوله حتى اصبحت تستند على ركبتهيا من خلفه وفتشت خلف عنقه حتى وجدت ذلك الجرح المختبئ بين بصيلات رأسه وصغير لا يتعدى الخمس ملليمترات؛ فاعتدلت تنظر له بذعر وتنفست بصوت حاد فما كان منه إلا أن ربت على فخذها وسحبها داخل حضنه مؤكدا: -انا كويس يا سلطانه متخافيش، ضغطي كان عالي بس شويه و.. قاطعته مبتعده عنه تسأله: -دي عمليه في المخ! وبتقولي ضغطك عالي! أومأ وهو يحدثها بهدوء وربما هل لم تستوعب بعد أنه حقا مجهد ولا يستطيع التحدث: -أيوه، الضغط العالي عملي نزيف وبعد الرنين حددوا مكانه وسحبوا الدم كله بالمنظار وحاليا انا زي الفل. بكت بانهيار وصرخت به وكأنه المخطئ هنا: -إزاي كل ده يحصل معاك ومتقوليش؟ إزاي تدخل العمليات وأنا مش جنبك يا فارس؟ للدرجة دي شايفني غريبه عنك؟ لا زال بنفس هدوءه الغريب وهو يعقب: -مكنتش حابب نتصالح عشان بس اني تعبت، المهم دلوقتي انا كويس ومش حاسس بأي تعب والحمد لله. اقتربت منه واسندت راحتها على صدره تسأله بحب: -الجرح ده لسه بيوجعك؟ أومأ وهو يوضح: -الغرز هتتفك بكره ولا بعده وأكيد إن شاء الله هكون أحسن، مش بحس بيها غير لما أنام أو حد يلمسها. اعتذرت له وهي تنهار باكية: -حقك عليا مكنتش اعرف، مش هقرب من دماغك تاني لحد ما تخف. سحبها من ذراعها واحتضنها بقوة وهمس بأذنها: -حبيبي أنتي. بدل ملابسه وتحرك لفراشه مندثرا أسفل غطاء الفراش وتسطحت هي الأخرى بجواره وعندما سحبها لتستقر على صدره رفضت بحركة من جسدها وسحبته هو ليضع رأسه بين تجويف نهديها وبدأت تداعب شعره برقة ونعومة وتحفظ حتى لا تقترب من جرحه؛ فاستمع هو لنبضات قلبها الصاخبة وتنفسها العالي وكأن تلك الأصوات عملت على إدخاله بغيبوبة لذيذة من العشق؛ فنام ولم يشعر بشيء حتى لاحت أولى خيوط الصباح، ليفتح عينيه على نفس وضعيته وابتعد على الفور وهو شبه متأكد أن جسدها لابد وقد آلمها بعد نومته تلك طوال الليل. جلس على طرف الفراش يلتفت لينظر لمفاتنها الظاهرة من منامتها الحريرية الكاشفة، ويعود ليتفقد جسده الذي يشعر بالإثارة دون رد فعل حقيقي من مؤشراته. زفر بضيق وتمتم بداخله: -الله يخربيتك يا دكتور الزفت، احنا فينا من فيلم النوم فـ العسل؟ دي فضيحة. ترك الفراش ووقف يتفقد نفسه أمام المرآة فلاحظ إسمرار تحت عينيه وشحوب وجهه قليلا وتذمر متضايقا: -عضلات وهيبه وفارس الفهد وتبقى أخرتها مارشيملو، يا نهار زفت. استمع لضحكاتها الخافتة وهي تعقب عليه: -انت بتكلم نفسك يا حبيبي؟ التفت ينظر لها بغيظ لسخريتها من حالته فتكلم بحدة قليلا: -وبعدين معاكي، بجد الموضوع ده مضايقني جدا. ربتت بجوارها على الفراش ومسدت لحيته تقبله منها وكأنها تلتهم قطعة لحم من أغلى الأنواع مثل تلك التي تناولاها ليلة أمس، وتكلمت بغزل: -بحب شكلك بالدقن كده اوي، اموت انا. عضت على شفتها تغزل به؛ فضحك من مزاحها ونظر لها وهي تقف على ركبتيها على الفراش تقرص وجنتيه: -يا مُز انت يا عسل. تمتم بصوت مسموع: -مُز خارج الخدمة. ضحكت فبادلها الضحك وعقبت: -وايه يعني، عادي.. مش أنا كل شهر ليا كام يوم أجازه، انت كمان من حقك اجازه مع انك واحشني مووووت. انهت حديثها بشكل مغري فاشتعلت حواسه دون جسده وتذمر يرجوها: -ده كده احنا بنعيد فيلم عادل إمام بجداره، عشان خاطري بطلي تغريني انا أصلا هتجنن عليكي لحد ما نشوف أخرتها ايه. تحرك قاصدا دخول المرحاض ولكنه تذكر شيئا فالتفت لها يسألها: -صحيح مقولتيش، لقيتي الخاتم والحلق؟ نفت مقوسة فمها فزم شفتيه هو الآخر وزفر وهو يتوعد للفاعل: -اللي عملها هيتمنى الموت قبل ما يفكر يمد ايده مره تانيه رفعت ياسمين حاجبها وهي تجد تلك العودة السريعة لفارس الفهد الحقيقي وليس ذلك المسالم والهادئ الذي تعاملت معه بالعشر أيام المنصرمة، فتكلمت غامزة: -حمد الله ع السلامة. لم يفهم عن أي شيء تتحدث فتركت فراشها واقتربت منه تهمس بأذنه قاصدة دفع أنفاسها الساخنة بداخلها: -عودة حميدة فارس باشا. ابتسمت له عندما وجدت تخبطه وعدم فهمه لما ترمي له فوضحت: -لا ابدا بس ملحقتش أفرح بهدوئك ده. حدق بها بشكل مضحك؛ فابتسمت له ولكنه تجهم بسرعة فسألته وهي تضع رأسها على صدره: -أنا عارفه ان الدنيا جايه عليك حتى انا، بس مقدرتش اتخطى الموضوع اللي حصل بسهوله. رفع ذقنها بسبابته وسألها وهو ينظر لعمق عينيها: -انتي كويسه دلوقتي؟ الدكتورة مريحاكي وبتاخدي راحتك معاها؟ أومأت وهي تبتسم: -ايوه، بعدين هبقى احكيلك. تنهد فعادت لاهتمامها بحالته: -طيب قولي فيك ايه؟ لسه موضوع شادي شاغل بالك؟ حرك رأسه نافيا وهو يضيف: -ده حاجه من ضمن كذا حاجه يا ياسمين، أنا أول مره ابقى كده، يا عصبي بشكل يأذي اللي حواليا يا هادي بشكل مستفزني ومخليني كاره نفسي. تابع حديثه بعد أن جلس على الأريكة الموجودة بأحد جوانب الجناح: -أنا عايزك تكوني سعيده معايا واللي لاحظته ان سعادتك مرتبطه بتغيري انا تغيير جذري، وده اللي مش فاهمه. تنقلت حدقتيه تنظر لخاصتيها وسألها: -هو مش انتي حبيتي فارس الفهد القديم؟ مش هو نفس الشخصيه اللي كانت أسوأ من كده بمراحل وحبتيني واتجوزنا وكنا سمن ع العسل؟ لم تعقب عليه وهو يضيف: -ايه المشكلة اني بتعصب شويه بعيدا يعني عن اللي حصل بينا واللي اكيد هكون حريص جدا انه ميتكررش، بس ايه العيب في شخصيتي إذا كنت بحبك وفي نفس الوقت عايزك تحترميني وتديني مكانتي زي ما المفروض يحصل وزي ما الرسول قال. تمعن النظر بها وهو يستطرد: -عصبي حبتين تلاته، ايه المشكله طالما شايفه الضغوط اللي عليا من كل ناحيه؟ ليه متكونيش انتي الملجأ اللي اتنفس معاه من غير ما أفضل احاسب على كلامي وأفعالي؟ فكرت بداخلها وتسائلت إلى هذا الحد يجد صعوبة بالتغيير من نفسه لأجلها؟ هل من الصعب أن يعيشا حياتهما كأي زوجين يتشاركان أمورهما اليومية بشكل طبيعي دون تحكم أو قيد أو شرط؟ ردت وهي تحاول تدارك نفسها من حديثه الموجع لرفضه التخلي عن طباعه الحادة والمخيفة: -طول عمري بقولك أني بحبك في كل حالاتك، كل اللي طلباه منك أنك متلغيش وجودي، ولو متعصب طلع عصبيتك معايا مش عليا يا فارس، فاهم الفرق طبعا؟ وافقها بحركة طفيفة من رأسها وهو يسحبها لتدخل داخل حضنه مؤكدا: -خليكي جنبي دايما، ولما تزعلي مني عاتبيني، ولما نتصالح انسي اللي فات عشان منفضلش نلف فـ نفس الدايرة، وأنا من ناحيتي هاخد بالي من زعلك وعمري ما هعمل اللي حصل مني ده تاني أبدا بس... صمت وابتلع ريقه ليجلي حلقه الجاف وتابع: -مش هقدر أكون شخص تاني غير فارس الفهد، مش هعرف أبقى طري ومليش شخصية. تنهد وهو يخبرها: -لو شخصيتي هتخليكي تسبيني وتبعدي فأنا هاجي على نفسي وأعلملك اللي انتي عيزاه، بس متتوقعيش اني هبقى سعيد. تركت مقعدها وتوجهت لتجلس على فخذيه وخللت أناملها بلحيته تحكها وتداعبها؛ فأغلق عينيه مستمتعا بملمس أناملها الناعمة عليه وردت بصوت رقيق: -وأنا مش عايزاك تتغير وتبقى واحد تاني، ولا هقبل انك تعيش معايا وانت متضايق، أنا عايزه فارس الفهد رجل الأعمال القوي واللي بيقدر يقف قصاد عصابات المافيا ويخليهم يلفوا حوالين نفسهم، وبيقدر ينزل السوق ويكتسح المنافسين بتوعه، كبير عيلة الفهد اللي الكل بيلجأ له وبيحل مشاكلهم ومن كتر ذكائه وتصرفاته الحكيمة بقى بيحل مشاكل عيلتي كمان وجدي الراجل العجوز ده بقى بيثق فيه ومش بيستغنى عنه ولا عن رأيه في أي موضوع يخص العيلة. قبلته قبلة عميقة وعاصفة لمشاعرها ومشاعره وتابعت: -بس في نفس الوقت إنسان بيخاف ربنا وبيصلي ورايح الحج ومش بيفتري على حد ولا بيخالف القانون. قوس فمه وهو يعلم مغذى حديثها فضحك بسخرية وعقب: -أدخل القضايا اللي ابن عمك رافعها عليا من سكات يعني، مش كده؟ لم تجبه وظلا ينظرا لبعضهما البعض وكل منهما يفكر في حل لأزمته ومصيبته التي تؤرق عليه حياته ❈-❈-❈ قاد سيارته عائدا من عمله فتفاجئ بها أمامه تخرج من أحد المطاعم الراقية برفقتها ذلك الشخص الذي رآه من قبل بقسم الشرطة، نعم هو نفس الشخص والذي يبدو من هيئته وملامحه أنه ينتمي لعائلة الفهد. لم يستطع إيقاف نفسه عن صف سيارته أمامها ونزل والآخر يفتح لها باب المقعد الأمامي لسيارته بلباقة؛ فتفاجئ يزن وتفاجئت هي الأخرى من تلك اليد التي سبحتها من ذراعها بقوة ووقف أمامها يتنفس بغضب وسألها: -مين ده؟ نزلت نظراتها عليه كالسهم القاتل وهي ترمقه من رأسه لأخمص قدميه غير مهتمة لا بحديثه ولا بحقيقة أنه لا يزال ممسكا لذراعها بقوة، وأما عن ذلك الواقف يتابع حرب النظرات بينهما فهو تذكره بالطبع وكيف له أن ينساه وهو يوميا يفتح هاتفه ليتصفح معرض الصور الخاص به وصورها التي ملأته وقد شكر ربه أنه أحتفظ بنسخ منها بعد أن قامت بحذفها من حساباتها الشخصية. ابتسم مالك وهو يطري عليها: -شكلك حلو أوي في الحجاب، كان نفسي أباركلك عليه يوم ما شوفتك بس الظروف مكانتش... قاطعته ساحبه لذراعها بقوة: -آه قصدك يوم ما أخوك خطفني وكان ناوي... صمتت رغما عنها، فحتى وإن كان يزن يعلم بكل الحقائق بل وحدثت أمام نصب عينيه إلا أنها لا زالت تشعر بالحرج والخجل من التحدث بتلك الكوارث التي تسببت بها تلك العائلة. قرر أخيرا التدخل بعد أن أنتظرها أن تعطيه ولو إشارة واحدة بطلب المساعدة، ولكنها لم تفعل وها هو لم يستطع ضبط غضبه فدفع مالك من أمامها ونظر لها وعيونه الغاضبة تنطق بما يثور بداخله: -اركبي يا نرمين. حاول مالك الدخول معه بشجار، ولكن قبل أن تتشابك الأيدي بذلك الشجار وقفت هي بينهما تصرخ بطليقها: -أنت عايز مني ايه حرام عليك؟ سيبني في حالي بقى. نهج ببأنفاسه وهو يسألها بصوت مهزوز: -مين ده يا نرمين عشان تخرجي تتغدي معاه؟ أجابت بنصف كلمة: -ده مدي.... قاطعها يزن بصوت حاد وغليظ: -أنا خطيبها وكتب كتابنا الأسبوع الجاي. ألجمتها المفاجأة فنظرت له مندهشة ولكنها تابع: -وبحذرك تقرب منها تاني، وأوعى تفتكر إن بدلتك هتحميك مني أنت متعرفش انا مين وأقدر اعمل فيك ايه. سحبها من ذراعها وأدخلها للسيارة ولف للناحية الأخرى وركب هو الآخر وقاد حيث وجهته ومالك لا يزال متسمرا مكانه غير مستوعبا لما حدث توا ولسان حاله: -خسرتها خلاص، هتتجوز... خسرتها خلاص. ظل يقود السيارة وهو يصر على أسنانه بغل ولم يتحدث أو حتى يوضح لها ما الذي دفعه لاختلاق تلك الكذبة، فهما كانا باجتماع خاص بالشركة مع بعض العملاء وليس كما ظن طليقها أنهما يتناولان الطعام كعاشقين بموعد غرامي. وصل أسفل بنايتها وأوقف محرك السيارة والتفت لها قبل أن تخرج: -نرمين. التفت له ترمقه بنظرات شاردة فتكلم فورا حتى لا يترك عقلها ينسج الكثير مما لا يقوى على إظهاره الآن: -انا آسف على اللي حصل مني، وعارف انك يمكن تكوني مضايقه عشان قولت انك خطيبتي بس حقيقي ملقتش حل تاني أبعده بيه عنك غير كده. ظلت تلعب بحقيبتها تتمسك بها بقوة وتفركها وهي لا تنظر له فهتف مجددا: -نرمين، لو سمحتي بوصيلي. رفعت وجهها ناحيته فقال: أنا عارف انك اتضايقتي وأنا مكانش قصدي حاجه وحشه، كل الحكاية حبيت أوقفه عند حده عشان ميضايقكيش تاني إلا لو كنتي مش عايزه ده فتقدري تقوليله اني كداب. زمت شفتيها بامتعاض وهي تقول: -هو حضرتك متخيل اني ممكن ارجع للبني آدم ده تاني؟ كل الفكره اني اتفاجئت من كلامك اللي اكد اتهامه ليا لما كنا في القسم. أخرج صوتا معترضا من فمه وهو يقول: -طظ فيه، يفتكر اللي عايزه، مش ده كلامك؟ هو له عين كمان بعد القرف والعك اللي هو وعيلته عايشين فيه! أومأت له عدة مرات وهمت بفتح الباب ولكنها عادت تنظر له وتؤكد: -المهم عندي إن حضرتك تبقى عارف إن الكلام اللي قولتهوله ده مش حقيقي وعمره ما هيبقى حقيقي، انا لا بفكر في ارتباط ولا جواز ولا حتى صداقه، العلاقه بيني وبين حضرتك شغل وبس، ويمكن في تجمعات العيلة تبقى قرابه وهتعامل معاك زيك زي ساجد جوز اختي، يعني كأخ وبس. ابتسم وهو يبتلع مرارة حلقة ويومئ لها وهي تضيف: -عشان أنا لو حسيت بأي حاجه من اللي ممكن تدخلني في النار دي تاني، هتلاقي استقالتي على مكتبك قبل حتى ما تحاول تفهم اللي حصل. وجد نفسه وقد حشر بخانة اليك ولم يستطع الفرار فابتسم باتساع فاهه وعقب عليها مختلقا كذبة أخرى قد تبدو مقنعة لها: -لأ من الناحية دي متقلقيش، انا مرتبط أصلا وقريب اوي هتحضري فرحي. ظلت بسمته على وجهه ولم يزيلها حتى ابتسمت هي له ولانت ملامحها العابسة وفتحت الباب فهتف يودعها: -بااي، متنسيش بكره تجبيلي معاكي حلويات من بتاعة طنط. أغلقت باب السيارة وانحنت تبتسم له براحة وهي تجيبه: -مش لما بتكون عامله أصناف بجيب معايا من غير ما تطلب؟ ظلت بسمته الكاذبة على وجهه وقال: -منا بقولك عشان تخليها تعمل لنا أي صنف حلو كده أفطر بيه بكره مع الشاي. وافقته بحركة من رأسها وغادرت متوجهة لباب بنايتها وظل هو ينظر في إثرها حتى اختفت عن نظراته فتجهم وجهه فورا وضرب مقود السيارة بقبضته الغاضبة وهو يوبخ نفسه: -غبي، غبي، استعجلت وأنت عارف انها مستحيل تقبل حاجه دلوقتي، غبي. ❈-❈-❈ وصل لباب المشفى ودلف فوجد اخته تجلس بغرفة والدتها فقبل أعلى رأسها وسألها: -مفيش جديد؟ نفت وهي تبكي: -ماما مش هتقوم منها يا مالك، الدكتور لسه قايل انها حتى لو فاقت هيكون عندها مشاكل كتير لأن في ميه طلعت ع المخ. ربت عليها وهو يقبلها من رأسها: -كله بأمر ربنا؟ تنهد وسألها بغل: -والبيه عامل ايه؟ قوست فمها وهي تجيبه: -معرفش، مدخلتش عنده بس أخوك كان معاه. تركها وخرج فوجد أخيه الأكبر يستند على الحائط متجهم الوجه فاقترب منه يسأله بقلق: -في ايه؟ مالك؟ رد وهو يصر على أسنانه: -مُصر يفضحنا كلنا، صاحبك جه ياخد أقواله من شويه راح متهم مراتك وقريبها انهم خطفوه وحاولوا يمضوه على وصلات أمانه وبعدين اتهمهم إنهم ورا اللي حصله، كل اللي قاله من اتفاقنا معاه انه مشافش مين اللي عمل كده بس بيتهمهم وطلب تفريغ كاميرات الشارع عشان يتاكدوا. ابتلع مالك ريقه المتعلق بحلقه الجاف وزم شفتيه وفتح الباب بحدة ودلف يرمقه بنظرات غاضبة وسأله دون مقدمات: -انت عايز مننا ايه يا أخي؟ مش اتفقت معاك متجبش سيرة نرمين في اللي حصل؟ رد وهو يجاهد ليعدل جسده: -مش هسيب حقي، أنا اتشهر بيا وكنت هموت وأمك بين الحيا والموت بسببهم... قاطعه يصرخ به: -أنت السبب مش هم، أنت اللي مصونتش عرض أخوك و... صمت عندما سحبه أخيه للخارج يهمس له: -تعالي بس لأن الظابط صاحبك رن عليا وطالع يكمل التحقيق. دار بجسده ورفع سبابته له يحذره: -لو مغيرتش اقوالك وقولت إن نرمين ملهاش دخل تنساني خالص يا أنس. دلف الضابط يرحب بصديقه: -أزيك يا مالك؟ تصافحا فجلس لاستكمال أخذ أقواله: -ارتحت شويه؟ أومأ فتابع: -طيب نكمل التحقيق؟ سأله بعد أن جعل مساعده يفتح دفتره: -قولي بقى، اتهمت طليقه اخوك ومعاها رجل الأعمال فارس الفهد أنهم ورا الحادثة دي، فتقدر تقولي السبب؟ أومأ وهو يجيبه: -اللي اسمه فارس ده عامل فيها كبير العيلة وكان بيتحكم في جوازة مالك وهو اللي خلاهم اتطلقوا وعشان أنا اللي وقفت له فحب يوريني انه يقدر يسكتني. حرك الضابط رأسه ولكن مالك لم يصمت وهتف معترضا: -الكلام ده كله مش صحيح، الظاهر الخبطه أثرت على عقله شويه يا فندم، أنا طلقت مراتي غيابي أصلا لان كان في بينا مشاكل بسبب ظروف شغلي وهي مستحملتش، وفارس الفهد ملوش علاقه بيا خالص ولا عمره دخل بيتي حتى. عقب عليه أنس: أيوه بس هو السبب... قاطعه مالك بصوت غليظ: -هو السبب في ايه؟ هو محضرش اي مشكله تخصني وكان حاضر بس قراية الفاتحه زي أي حد من العيلة. التفت لزميله وهو يؤكد: -يا فندم كل اللي بيقوله مش صحيح، وأنا عايز اعمل كشف أتأكد إن قواه العقلية سليمة وذاكرته كمان مش مشوشه. وافقه الضابط وأنهى تحقيقه وخرج برفقة أخيهما فظل مالك واقفا يزفر بضيق ولم يتحدث معه حتى مر الوقت وعاد الأخر يسأله: -انت اللي هتبات ولأ أخليني أنا؟ رد دون أن ينظر إليه: -روح أنت وخد أختك معاك. لحظات وغادر الجميع وظل هو بالاستراحة يدخن سجائره بشراهة ودلف غرفة والدته ليطمئن عليها فوجدها كما هي لا تصدر أي مؤشرات للتحسن؛ فعاد لغرفة أخيه فوجده يجاهد حتى يستريح على السرير الطبي فسأله: -عايز حاجه؟ أجابه أنس مجهدا: -بحاول أعدل المخده ومش عارف. اقترب منه وسحب الوسادة من خلف رأسه وحاول تعديل وضعها، ولكنه وضعها على وجهه يكتم بها أنفاسه فعافر وانتفض بعنف محاولا التخلص منه ولكنه عجز لضعف جسده فأحكم مالك يده على الوسادة بقوة وأغلق عينه بألم وأشاح بوجهه للناحية الأخرى وظل يضغط ويضغط حتى توقف الأخير عن المقاومة وسكن جسده.