الفصل التاسع و الاربعون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري
الفصل التاسع و الاربعون من رواية حارة الدخاخني

-أنا بثق فيك. وعمري ما تخليت أني أحبك واثق فيك بس حاسه إن في حاجه بتخليني اطمن وأنا معاك.
ضمها إلى صدره:
-يبقى خلاص، سبيها عليا بتوفيق ربنا.
ظل يحتضنها لحظات طويلة، بينما كانت تبكي بصمت وظلت تنظر إليه، وكأنها تستمد من كلماته شيئًا من الأمان الذي فقدته منذ اللحظة التي رأت فيها الرصاص ينطلق نحوهما.
أغمض حمزة عينيه، وضمها بقوة، بينما راحت يده تربت فوق ظهرها وفي تلك اللحظة فقط، شعر أن الرصاص الذي اخترق جسده لم يكن أقسى ما مر به في ذلك اليوم.
الأقسى كان أن يحتضن أخته التي عادت إليه من الموت، وهو يعرف أن العالم كله ما زال يبكيها.
••••
جلس خلف مكتبه، مستندًا إلى ظهر مقعده، يحدق بشاشة العرض التي تظهر كل من حمزة وملك متأثرين بلقائهما، حتى دلف أحد رجاله يحمل ملفاً وضعه أمامه ففتحه وناظره بنظرات ثابتة لا تحمل أي انفعال واضح، إلا أن عينيه كانتا تفضحان شيئًا آخر.
وقف الرجل أمام المكتب بصمت، ينتظر قراره، بعدما وضع الملف بين يديه فقلب صالح الصفحات ببطء، حتى استقرت عيناه على مجموعة من التقارير التي ترصد تحركات حسن خلال الفترة الماضية.
قرأ التفاصيل كاملة دون أن يتعجل، ثم أعاد الورقة إلى مكانها وأغلق الملف بهدوء.
خرجت منه زفرة طويلة، وقال بنبرة تحمل خيبة حقيقية:
-يا خسارة يا حسن، مطلعتش زي أبوك.
ظل الرجل صامتًا للحظات، قبل أن يسأله:
-هتعمل إيه معاه يا بوص؟ ده شغال مع المخابرات!
رفع صالح عينيه إليه، وبدا على وجهه شيء من الحسم:
-حسن كده كده كارت محروق.
عقد الرجل حاجبيه، فتابع صالح:
-مكانش ينفع يبقى مكان فاروق الوكيل من الأساس.
ثم مال قليلًا إلى الأمام، وقال بثقة:
-حسين هو الأحق.
=ليه يا بوص؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه صالح:
– لأنه راجل بمعنى الكلمة.
قالها ببساطة، ثم أعاد نظره إلى الملف المغلق أمامه.
كان في نبرة صوته شيء من التقييم البارد، وكأنه لم يعد ينظر إلى حسن باعتباره شخصًا تربطه به علاقة، وإنما باعتباره قطعة سقطت من حساباته بعد أن اكتشف حقيقتها.
تردد الرجل قبل أن يخفض صوته ويسأل:
-طب وحمزة بيه؟
رفع صالح عينيه إليه:
-ماله؟
ابتلع الرجل ريقه، ثم قال بحذر:
-ليه اخترت تحبسه هنا يا بوص؟ ده زي ابنك وعمرك ما عاملته بالشكل ده.




