الفصل التاسع و الاربعون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري
الفصل التاسع و الاربعون من رواية حارة الدخاخني

نظرت إليه صفية بحزن:
-ربنا يرحمها، متستحقش الموته دي أبداً
أغمض رشوان عينيه بقوة وبدلًا من أن تختفي صورتها، عادت أمامه مرة أخرى:
-الله يسامحك أنت وأبوها على اللي عملتوه فيها، ربنا ينتقم لها منكم وحسبي الله ونعم الوكيل.
تركته وخرجت من الغرفة ففتح عينيه فجأة، وهمس بداخل نفسه:
-أنا عمري ما هسامح نفسي، والموت أهون ليا من العذاب اللي عايشه ده.
ظل صامتًا للحظات ينظر للفراغ بعينين منكسرتين وتابع:
-استحق الموت عشان معرفتش أحميها.
••••
لم يصدق أن المسافة بينه وبينها لم تعد تُقاس بالطرق ولا بالمسافات، وإنما بعدد الخطوات القليلة التي تفصله عنها الآن.
كان يسير خلف صالح في أحد ممرات المبنى، بينما الألم ما زال ينهش صدره مع كل حركة، لكنه لم يعد بهتم للألم منذ أن أخبره صالح بأن ملك على قيد الحياة، لم يعد هناك شيء آخر في العالم يعني له شيئًا سوى أن يراها بعينيه.
كان قلبه يسبقه، وكل خطوة يخطوها كانت تزيد من اضطرابه، حتى توقف صالح أمام أحد الأبواب فالتفت إليه للحظة، ثم قال بهدوء:
-هي هنا.
لم يجب حمزة بل ظل ينظر للباب وكأن شيئًا خلفه يفوق قدرة عقله على التصديق.
رفع صالح يده وفتح الباب، ثم تنحى جانبًا فتوقف حمزة للحظة عند العتبة ثم دخل.
كانت ملك تجلس فوق طرف الفراش، وقد بدا عليها الإرهاق الشديد، لكن ما إن سمعت صوت الباب حتى رفعت رأسها.
تقابلت عيناهما فتجمد كل شيء ولم تعد هناك جدران ولا أبواب ولا حراس ولا أسرار، فقط شقيقان فرقهما الموت، ثم أعادهما القدر إلى بعضهما في اللحظة التي ظن فيها أحدهما أنه فقد الآخر إلى الأبد، فكل منهما ظن أن الآخر قد رحل إلى الأبد
حدقت ملك فيه لثوانٍ طويلة، وكأن عقلها كان يرفض أن يصدق ما تراه عيناها ثم وقفت فجأة وصرخت:
-حمزة؟
لم يجب فكانت عيناه قد امتلأتا بالدموع في اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها، أما ملك فوضعت يدها فوق فمها، وبدأ جسدها يرتجف:
-حمزة! أنت عايش؟
اندفعت نحوه ففتح ذراعيه لها، فألقت بنفسها بينهما، واحتضنته بكل قوتها وبالرغم من ألم صدره لم يبعدها ولكنها شعرت بجرحه فابتعدت فوراً
شهقت وهي تبكي:
-إنت عايش بجد! انا شوفتهم وهم بيموتوك.
سحبها وضمها إلى صدره وأغمض عينيه، وانهمرت دموعه دون مقاومة:



