الفصل التاسع و الاربعون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري

الفصل التاسع و الاربعون من رواية حارة الدخاخني

 

ساد الصمت للحظات، لم يتغير وجه صالح، لكن عينيه ضاقتا قليلًا وكأن السؤال لمس شيئًا كان يخفيه حتى عن أقرب رجاله.

 

قال بهدوء:

-عشان شكيت فيه.

 

اتسعت عينا الرجل قليلًا.

-شكيت في حمزة بيه؟ معقول يا بوص!

 

أومأ صالح ثم أخذ نفسًا عميقًا وأردف:

-وأنا مش هسمح بموته يحصل من غير ما أتأكد إنه يستاهل الموت فعلًا.

 

تردد الرجل قبل أن يسأله:

-يعني إنت شاكك إنه خاين؟

=أنا شاكك في حاجات كتير.

 

سأله باستنباط:

-عشان كده خليته هنا؟

=بالظبط.

 

نهض صالح من مقعده، واتجه إلى النافذة، ثم وقف أمامها واضعًا يديه خلف ظهره وظل للحظات ينظر إلى الخارج، قبل أن يتحدث بنبرة أكثر انخفاضًا:

-حمزة مش واحد من الرجالة اللي ممكن أتعامل معاهم عادي. لو طلع خاين، يبقى أنا كنت غلطان فيه من البداية.

 

تقدم الرجل خطوة:

-ولو طلع خاين فعلًا هتعمل إيه؟

 

التفت صالح إليه، لم يحتج هذه المرة إلى التفكير حتى يجيب:

-هصفيه.

 

تجمد الرجل للحظة، بينما ظل صالح ينظر إليه بثبات، لم يكن في عينيه تردد ولا رحمة، وكأن الاحتمال وحده كان كافيًا لإسقاط كل ما سبق من حسابات:

-وعشان كده كان لازم يفضل هنا تحت عنيا.

 

ثم اقترب من مكتبه، وأمسك الملف مرة أخرى:

-طول ما حمزة هنا، أنا عارف هو بيعمل إيه وبيتكلم مع مين، وعارف مين ممكن يحاول يوصل له.

 

رفع عينيه إلى الرجل وأضاف:

-ولو أي جهة اتحركت تدور عليه، هعرف.

 

صمت الرجل قليلًا، ثم قال:

-وساعتها شَكّك هيبقى في محله؟

 

أومأ صالح ببطء:

-أيوه ومش هحتاج دليل.

 

أغلق الملف ووضع كفه فوقه:

-وساعتها.

 

توقف للحظة، قبل أن يضيف بصوت أكثر قسوة:

-زي ما حطيته مكان ابني هنزله من مكانه ده وهحطه في خانة أعدائي .

 

ساد الصمت داخل المكتب، وكان أكثر ما يخيف في كلمات صالح أنها لم تخرج في لحظة غضب، بل قيلت بهدوء رجل اتخذ قراره بالفعل.

 

أما الملف الذي أمامه، فلم يعد مجرد أوراق تحمل تحركات حسن وحمزة، بل أصبح بداية لقائمة جديدة، كان صالح على وشك أن يحدد فيها من يبقى إلى جواره، ومن يسقط إلى الجانب الآخر.

••••

منذ أن خرجت من المشفى، لم تعرف للحياة طعمًا، عادت لبيت أبيها بجسدها فقط، أما روحها فظلت عالقة في تلك الغرفة الباردة التي وقف فيها حسن أمامها وألقى كلماته الأخيرة في وجهها، ثم خرج وتركها وحدها تواجه حقيقة لم تكن مستعدة لها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *