الخاتمة الجزء الاول من روايه حارة الدخاخنى بقلم اسماء المصرى
الخاتمة الجزء الأول حارة الدخاخنى

••••
ظل رشوان في غرفته لأيام طويلة، لا يعرف لليل نهاية ولا للنهار بداية، جالسًا في المكان نفسه، بعينين زائغتين وجسد أنهكه المرض، حتى أصبح كل من يراه يظن أن الرجل فقد عقله بالفعل.
لم يعد يسأل عن شيء حتى رضيعه الذي طال انتظاره له، ولم يعد يهتم بمن يدخل أو يخرج من البيت، وكلما حاولت صفية الحديث معه كان يحدق فيها وكأنه لا يعرفها.
توقفت سيارة أمام منزله بالحارة وترجل منها رجلان، ودخلا دون استئذان، فسألتهما صفية:
-إنتوا مين؟
أجابها أحدهما:
-معانا أوامر ناخد المعلم رشوان.
-تاخدوه فين؟ أنتوا مش شايفين حالته؟
لم يجبها الرجل، وإنما أمسك بذراع رشوان، فاستسلم، وكأنه لم يعد يملك طاقة حتى للرفض.
توقفت السيارة أمام مكان لم يعرفه رشوان من قبل ونزل منها وهو يترنح، وسار بين الرجلين حتى دخلا إلى مبنى هادئ، ثم فتح أحدهما باب غرفة واسعة.
توقفت قدما رشوان فجأة، كانت ملك تقف في منتصف الغرفة.
تجمد في مكانه، وظل ينظر إليها دون أن يرمش، ظن أنه يحلم بها كعادته فحدق بها يطفئ نار اشتياقه لها بتلك النظرات الواهمة.
أما ملك، فكانت تحدق فيه بذهول من منظره المبعثر، فوضعت يدها على فمها:
-رشوان؟
تحرك نحوها خطوة، ثم توقف:
-ملك؟
لم تجبه، وانهمرت دموعها في اللحظة نفسها، فاقترب منها أكثر، ومد يده ببطء، وكأنه يخشى أن تختفي أمام عينيه، وداعب وجنتها فانتبه أنها حقيقة:
-إنتي عايشة؟
أومأت وهي تبكي، فانهار رشوان أمامها أرضًا، ودفن وجهه بين كفيه، وانطلقت منه شهقة موجوعة لأول مرة منذ ثلاثة أشهر:
-أنا كنت بموت كل يوم، كنت بموت وأنا فاكر إنك موتي.
اقتربت منه ملك، وجلست أمامه، وقالت بصوت مكسور:
-أنا كمان كنت فاكرة إنك نسيتني لما مجتش تخرجني من هنا.
رفع عينيه إليها:
-أنساكي إزاي؟ هو أنا حبيت غيرك يا ملك؟
سكت لحظة، ثم سألها:
-مين عمل فيكي كده؟
لم تجبه، فظهر صالح خلفه وقال بهدوء:
-أنا.
التفت رشوان إليه، وتغيرت ملامحه:
-أنا اللي خليت العالم كله يصدق إن ملك ماتت.
نهض رشوان بغضب مفاجئ، وكأن المرض لم يعد موجودًا في جسده:
-ليه؟
أجابه صالح ببرود:
-عشان كان لازم كل واحد يتحرك من مكانه.
صرخ رشوان:
-إنت دمرتني! انا كنت هتجنن وأنا فاكر إن….



