الفراشة_شيماء_سعيد في غرفة وعد... انتبهت على صوت الباب لتقوم من تلك الدوامة التى غرقت بها بالماضي، قامت من مكانها بثقل تزيل أي أثر لدموعها ثم فتحت الباب، ابتسمت إلى تلك المرأة التي لم ترى منها شر أبداً رغم شدتها و قوة شخصيتها... بحنان أم فتحت لها ذراعيها لتلقي بنفسها داخل أحضانها تود أن تشعر بالقليل من الأمان بين أسوار هذا البيت المخيف، حركت السيدة حكمت كفها على خصلاتها قائلة : _ ليكي وحشة يا وعد، بقى كدة تنسي جدتك حكمت سنتين كاملين... أغلقت وعد عينيها ثم أخذت نفس عميق قبل أن تقول بحزن طفيف : _ حقك عليا يا تيتة بس صدقيني كدة أحسن ليا و ليكم إحنا مش شبه بعض... أخذتها السيدة حكمت من كفها و دلفت بها للغرفة مغلقة الباب خلفهما ثم جلست بجوارها على الفراش لتنام الأخرى على صدرها، ابتسمت العجوز قائلة بعتاب : _ قلوبنا كلنا اتعلقت بيكي حتى قلب سند، ليه يا بنتي البعد، ليه فتحتي باب جهنم على نفسك؟؟ سند مش بيكره في حياته اد الكذب و الغدر... قالت بقهر : _ الوجع مش ليكم بس كان ليا أنا كمان، وجودي من البداية في الكفر ده كان غلط كبير، الكبير كان عايزني أبقى جارية له يعمل فيها كل حاجة و كمان تبقى أرنبة كل يوم عيل، أنا مستحيل أعيش الحياة دي مع واحد مفيش جوايا له أي مشاعر... بمكر قرصت السيدة حكمت وجهها ثم قالت بعيون خبيرة : _ من امتا فينا من الكدب يا وعد، بقى عيونك اللي كانت بتطلع قلوب عمرها ما حبت سند عليا أنا الكلام ده؟!... يا بنتي ليه مصممة تتعبي قلبك و قلبه و قلوبنا كلنا معاكي... هربت بعينيها منها هامسة بتوتر : _ كان وقتها انبهار كبير من شخصيته.. وقتها كنت هبلة و أول مرة أشوف شخص كدة بس أنا خلاص كبرت و فهمت، تيتة أنا عايزة أمشي أنا و جوزي من هنا من غير غدر سند أو مشاكل منه، الكلام فات أوانه أنا دلوقتي ست متجوزة لو فعلاً ليا مكانة عند حضرتك.. ساعديني أمشي من هنا... أومأت العجوز بصمت، معها حق عن أي حب تتحدث و الأخرى تزوجت و انتهى الأمر... الصرخات الآتية من الأسفل جعلتها تنتفض لتفتح الخادمة الباب بلا سابق إنذار صارخة : _ الحقي يا ست الناس... وقفت السيدة حكمت مستندة على عصاها قائلة بقوة : _ في إيه يا بت اخلصي... ابتلعت الخادمة ريقها قائلة برعب : _ الست همت نزلت الجنينة من غير ما نحس بيها و الغفر جابوها من شوية بتبكي و تصرخ، و الغفير بيقول إن جوز الست وعد كان معاها و هو السبب في اللي حصل ليها و سيدي سند أمر بحبسه في المخزن... سقط قلبها أرضا، سند يلعب معها بزوجها الذي ليس له دخل بأي شيء يحدث، نظرت إلى السيدة حكمت التى كل ما يهمها الآن حفيدتها فقط، قائلة بغضب : _ مش قولتلك يا تيتة حفيدك ناوي على غدر، أنا مش هسمح له يقرب من محمد ده على جثتي... تركتها السيدة حكمت و نزلت إلى محل وجود همت لتنزل هي الأخرى لتطمئن على همت و ترى هذا اللعين، اقتربت من همت قائلة بلهفة : _ همت يا حبيبتي مالك... ابتعدت همت عنها برعب لتتعحب هي من الموقف إلا أن جدتها قالت بهدوء و هي تضم حفيدتها : _ معلش يا وعد همت تعبانة و مش فاكراكي عشان كدة خافت منك، اهدي بقى يا قلب جدتك... تركت وعد المكان متجهة إلى غرفة المكتب، لن تترك زوجها بين يدي سند الكبير.... ____________ بغرفة المكتب... فتحت الباب بلا سابق إنذار، ليظل على حاله يتابع الأوراق أمامه بهدوء، اقتربت منه بغضب أعمى ثم ضربت على المكتب بقوة صارخة : _ مالك و مال جوزي يا كبير عايز منه ايه؟!... إلى هنا و انتهى هدوءه المزيف، ألقى القلم من بين أصابعه على الأوراق و أزال نظارته الطبية ثم قام من مقعده و عينيه عليها يتابع رد فعلها، نزل بصره إلى صدرها الذي يعلو و يهبط ليعود لوجهها الذي يطلق منه نيران نارية، بأقل من ثانية كانت محصورة أمامه و الفاصل بينهما خطوتين قائلا بنبرته الحادة : _ عيدي كلامك تاني يا دكتورة عشان كنت مركز في شغلي مش في الطريقة الهمجية اللي دخلتي بيها.... لا تنكر توترها و خوفها من نظراته إلا أنها حدقت به بتحدي قائلة : _ لأ سمعت كويس يا كبير بس مش عايز ترد، الكلام مش جاي على هواك، و آخر حاجة تهمني إن الكلام ييجي على هواك أنا عايزة جوزي و بس يا سند... شهقت بألم من ضغط كفه على فكها و كفه الآخر يقيد شفتيها، لمعة عينيه مرعبة كأنها ألقت عليه قطعة من النيران أصابته بمنتصف وجهه، يحترق من نظراتها و حديثها الذي يأكله بلا رحمة، حرك وجهه يمينا و يسارا ثم همس بفحيح : _ كلمة سند الكبير على رقبته، و أنا بقولك لو عايزة لسانك يبقى بين ايديك انطقي كلمة جوزي دي تاني، أدفنك و آخد العزا قبل ما غيري ينام جانبك على سرير واحد.... كلمة سند الكبير سيف علي رقبته لو خرجت منه سيفعلها لو روحه بها، حاولت التحرر من بين يديه إلا أنه ضغط عليها أكثر لتصرخ بقوة : _ ابعد أيدك عني أنت بتوجعني... ابتسم إليها بملامح مخيفة قائلا : _ ما أنا عايز أوجعك يا روحي، اتوجعي و خافي يا وعد عشان تقدري تعيشي... رفعت عينيها لتقابل عينيه، كلمات لم يقدر اللسان على قول كلمة منها قالتهم العين، إلى أين سيصل معها لا يعرف و لا يود أن يعرف، تعلق بها لتأخذ عينيه جولة رائعة على وجهها الجميل، سحرها البسيط يجذبه و يجعل بداخله رغبة مميتة بتذوق تلك الفاكهة المحرمة ، حبست أنفاسها و شعرت بالتعري أمام عينيه التى تأخذ منها ما يريد صاحبها، بللت شفتيها الجافة بطرف لسانها قبل أن تقول بتوتر : _ مش عيب على الكبير أما يبقى نفسه في حاجة مش بتاعته؟!.. إبتسم لها بخبث و هو مازال كما هو مردفا بنبرة لعوبة : _ لأ مش عيب خصوصاً لما تبقى الحاجة دي مكتوب عليها مباح للجميع، بس مش الكبير اللي يدوق حاجة خارجة من بوق غيره... أصابها الغضب ، قدر بكل جدارة على كسر قطعة من روحها، ترقرقت الدموع بداخل مقلتيها بكبرياء أنثى مقهورة إلا أنها ردت عليه بجمود : _ صدق اللي قال البجاحة ليها ناسها، الحاجة اللي خارجة من بوق غيرك دي نفسها هي اللي بتجري وراها، لآخر مرة بقولك سيب جوزي بدل ما أبلغ عنك.. البلد دي فيها حكومة يا كبير... أبتعد عنها و عاد للجلوس على مقعد مكتبه يباشر عمله، الكلمة تردها ألف كلمة مع أنه لا يريد منها إلا الصمت، هو مغلول من إسم هذا اللعين الذي تحمله من المفترض أن تحمل اسمه هو، منذ متى يريد امرأة و لا يقدر على الحصول عليها؟!... جن جنونها من بروده لتأخذ الأوراق من أمامه بحركة جنونية و تلقي بها على الأرض صارخة : _ بطل البرود ده بقولك جوزي فين يا سند، محمد ملوش علاقة بأي حاجة حصلت في البيت ده من سنين، لما أكلمك تبص و ترد عليا فاهم... رفع حاجبه بتساؤل كأنه يقول لها "حقا"، سند ظهره على المقعد واضعا ساقا على الآخر قبل أن يشير لها على باب الغرفة قائلا بصرامة : _ قولتلك خافي على لسانك بس شكله عامل ليكي مشاكل و عايزة أقطعه، أخرجي برة حالا بدل ما أنولك المراد و تعيشي الباقي من عمرك خرسة... _ و لا يهمني أعلى ما في خيلك اركبه، مش هسكت على...... اااااه.. قالتها و هي تشعر بعدم لمس ساقيها للأرض حملها على ظهره صاعدا بها إلى غرفته وسط صريخها الذي لم يعطي لها أو له أي إهتمام، وصل للغرفة ليدخل بها و يغلق بابها بقدمه، ألقى بها على الفراش لتصرخ بألم قبل أن تقول : _ إيه الهمجية و الجنان ده، أنت فاكر بالطريقة دي مش هاخد حقي... سحب الحزام من على خصره ضاربا به الفراش بجوارها مردفا بتحذير : _ مش لما أعمل ليكي حاجة ابقي خدي حقك، مش هقفل عليكي الباب بالمفتاح ، بس عايزك تخرجي من باب الأوضة دي و وقتها اياكي تلومي حد إلا عنادك و غبائك، فاهمة... مازال يرى لمعة التحدي ليعطي لكفها الموضوع على الفراش ضربة خفيفة ثم قال بصرامة أشد : _ فاهمة عايز أسمع ردك... لأول مرة تشعر بالعجز و قلة الحيلة أمامه هو، لأول مرة تعلم أنها بلا سند أو يد تمسح دموعها و تربت على ظهرها، ابتلعت ريقها بقهر و حسرة هامسة بنبرة متقطعة : _ فاهمة مش هخرج، بس خرج محمد بلاش تسبب له أي أذى بسببي هو ملوش أي ذنب، بلاش تزيد على ظلمك لكل الناس ظلم... شعر بنشوة لذيذة مع نطقها لإسم غريمه بلا كلمة زوجي، أزالت الملكية و هذا يرضي ما بداخله، ارتدي حزامه مجيبا ببرود قبل أن يخرج من الغرفة : _ اسمعي الكلام و لما أبقى مزاجي رايق ممكن أخرجه، مش بس من الحبس تحت لأ ممكن كمان من البيت كله على رجله سليم و ده انجاز عظيم.... _____________ بعد عدة ساعات... بمخزن بالبيت... يعلم أن نهايته على يد وعد بيوم من الأيام، من ليلة أمس و هو ملقى بتلك الغرفة التي لا يرى بها حتى بصيص نور من الشرفة، ماذا فعل لكل هذا لا يعرف... تنهد بعمق مع إغلاق باب المكان وراء أحدهم، أمامه احتمالين الخروج أو القتل و بكلا الأحوال ستكون نهاية هذا السجن... جلس من دلف على أحد المقاعد فقال بسخرية : _ منور يا أستاذ محمد.. أجابه الآخر بمرح متوتر : _ منور ايه يا باشا أنا مش شايف حاجة هو هنا مفيش نور على الأقل نتعرف على بعض... أردف سند بضيق : _ لأ في بس أنا مليش مزاج له، خلينا نتكلم مع بعض شوية في هدوء، قولي بقى مالك و مال الهانم الصغيرة قربت منها أصلا ليه؟!.. بالبداية لم يعرف من هي، إلا أن طيفها الرائع مر أمام عينيه ليبتسم بشكل تلقائي مثل الأحمق قائلا : _ هي جت و طلبت مني ندور على عروستها همت الصغيرة قعدت أدور معاها و لما فقدت الأمل قولتلها هجبلك واحدة جديدة فضلت تصرخ لحد ما لقيت رجالتك جايين بيا هنا من غير أسباب... تعجب سند من حديثه هل شقيقته ذهبت إليه بنفسها رغم أنها تخاف من الجميع، و فوق كل هذا و ذاك نبرة صوته التي ربما سمعها من قبل و يعلم هوية صاحبها، قام من مكانه مردفا و هو يقترب من زر الإضاءة : _ هنا في قواعد يا أستاذ و أولها إنه ممنوع خروجك من الشقة إلا بأمر مني عشان كدة أنت هنا، تقدر تقول قرصة ودن... _ هو إحنا في مدرسة مش هنطلع إلا بإذن المدير؟!.. قهقه سند بطريقة لا تمت للمرح بصلة ثم قال بعدما أضاء المكان : _ لأ مش في مدرسة، أنت في دار الكبير في كفر عتمان الكبير، خليك هنا يومين تلاتة لحد ما تعرف تعيش هنا إزاي طالما مطول معانا يا جوز الدكتورة... أخذ محمد ثواني مغلقا عينيه ليعتاد على الضوء بالمكان ثم فتحها قائلا بغضب : _ سند بيه أنا مش شغال عندك و لا حتى مراتي ، دي فترة مؤقتة و هنمشي بس طالما دي طريقة الحياة هنا نبقى نمشي من دلوقتي... و شكرا جداً لحد دلوقتي على كرم الضيافة يا كبير... _ فاكر نفسك ممكن تخرج من هنا تبقى بتحلم.. قالها سند و هو يدور بوجهه إليه لأول مرة يرى غريمه وجها لوجه عن قرب، ماذا بهذا الأحمق حتى تهرب منه و تأخذه هو ؟!.. الغباء كله منه لأنه صدقها بالماضي عندما رفضت عقد قرانه عليها بحجة أنها تريد عقد القران ليلة الزفاف... أول ما عينه وقعت على زوجها أصابه الجمود غير مصدق لما يراه، أردف بتردد و بلا وعي : _ أنت... حمد... ____________ الفراشة_شيماء_سعيد تملكته الصدمة لعدة لحظات مع رؤيته لخطيب شقيقته الهارب بليلة الزفاف زوج وعد، ترك المخزن مشيراً للغفير بغلق الباب صاعدا إليها و الدماء تغلي برأسه.. فتح باب غرفتها لتقوم من فراشها برعب تحاول ستر جسدها التي تظهر بعضه ملابسها البيتية المكونة من فستان نوم يصل إلى بعد ركبتها و بدون أكمام، رفعت الغطاء عليها قائلة بذهول : _ إيه قلة الأدب دي إزاي تدخل كدة هي وكالة من غير بواب... عقله بعيدا كل البعد عن تفكيرها الأحمق هو لا يرى جسدها من الأساس أو يركز به، واقف عند نقطة واحدة أهي هربت بليلة زفاف شقيقته مع زوجها؟!.. هل هي حقيرة لتلك الدرجة دون أن يأخذ حذره منها،أغلق الباب بساقه و عيناه تضرب عينيها مثل الرصاص، جذبها من مقدمة ملابسها لتقف أمامه ثم قال : _ جوزك ده اتعرفتي عليه امتا و إزاي، انطقي... لم تفهم نبرة صوته و لا حتى نظرة الاتهام الواضحة بعينيه، ابتلعت لعابها بخوف قائلة : _ ووو... و أنت مالك بج.... قاطعها بكفه الذي ضرب به فمها بخفة ، لا يوجد أي وقت للعناد و المناقشة قلبه يحترق و كل ما يريده الآن الارتياح، تحسن صورتها أمامه بأي كلمة و هو سيصدقها، لمعت عينيه بالشر قائلا من بين أسنانه : _ بلاش لف و دوران كتير، الزفت اللي تحت ده أول مرة شوفتيه كانت امتا و فين، و إياكي تكذبي سامعة إياكي... عضت على شفتيها بوجع خفيف، يستحيل أن تقول الحقيقة، تعبيرات وجهها درسها بشكل دقيق، متوترة، خائفة، تحاول الهروب، تفكر بكذبة تخرج بها من الموقف رغم تحذيره لها بعدم الكذب، صمت مريب ينتظرها و هي لا تجد إجابة إلا أن صريخه بها أفاقها : _ ووووعد... نطقه لاسمها بتلك النبرة و النظرة بها تحذير واضح، أزالت يده من على فمها ثم أردفت بنبرة متهدجة و أنفاس متسارعة : _ دي حاجة خاصة أنت دخلك فيها إيه، عايز تلعب و تضيع وقت في قصة حياتي و اتعرفت على جوزي إزاي عشان بس يفضل محبوس عندك، قولتلك قبل كدة خليني أمشي أنا و هو من هنا من غير غدر... من منهما الذي يريد اللعب هو أم هي التي تلعب ببراعة؟!.. ابتعد عنها مبتسما نصف إبتسامة حكمت على نفسها بالإعدام و خسرت جزء كبير من قلبه، أغلق باب الغرفة بالمفتاح من الداخل ثم اتجه إلى المرحاض ليقف مع حديثها الغاضب : _ أنت بتعمل ايه و رايح فين بالظبط... أجابها بسخرية : _ سلامة النظر، عندك ضعف فيه و الا ايه، زي ما أنت شايفة داخل حمام اوضتي عشان أستحمى قبل ما أنام... صرخت به بجنون يفقدها دائماً صوابها و يأخذها إلى طريق مغلق : _ لا دي شكلها هبت منك على الآخر، عايز تنام في اوضة نوم واحدة مع ست متجوزة راجل تاني... وضع المنشفة على عنقه من الخلف قائلا ببراءة لا تليق أبداً به أو بما يرتبه لها : _ اثبتي إنك متجوزة من راجل تاني و هاتي قسيمة جوازك و بطاقة جوزك وقتها بس هتبقي مرات راجل تاني غير كدة أنتي ملك سند الكبير يا وعد... قسيمة زواج؟!... بطاقة زوجها؟!... توقف عقلها عن التفكير للحظات أو ربما لدقائق أو ساعات، بكلمات بسيطة أدخلها بدوامة ليس لها نهاية لم تشعر بنفسها إلا و هو يضرب خدها بهدوء مردفا : _ إيه روحتي فين يلا زي الشاطرة تاخدي مخدة و الغطا اللي مكفنة نفسك بيه ده و على الأرض أو الكنبة اختاري... _____________ قامت من حضن جدتها النائمة بجوارها، تريد الذهاب إلى ذلك الغريب الذي كان يبحث معها عن عروستها، سعدت كثيرا باللعب معه أخذت تتحرك على أطراف اصابعها حتى لا يشعر بها من بالمنزل... دارت حول نفسها بخوف يا ليتها تعود إلى غرفتها و تلعب معه بالصباح، جزت على أسنانها بطفولية و غيظ فهو غير موجود ببيته، أين هو و كيف تصل إليه الآن؟!.. رأت الغفير يقترب منها بتوتر قائلا : _ ست الناس تؤمري بحاجة؟!... أومأت إليه بحزن قائلة : _ فين اللي كان هنا الصبح أنا عايزة أشوفه؟!... بلهفة أشار لها الغفير عن مكان وجوده مردفا : _ اتفضلي يا ست الناس هو جوا هنا تعالي معايا... ذهبت خلفه بحماس لرؤيتها إليه من جديد دلفت لتجده جالس على الأرض مغلق العينين، عقدت حاجبها بتعجب مردفة و هي تقترب من محل جلوسه لتجلس بجواره : _ أنت نمت من قبل ما ندور على العروسة قوم بقى عشان أقولك أنا لقيتها فين... فتح عينيه مبتسما تلك الفتاة لغز عجيب إلا أنه مستمتع بالعودة إلى سنوات من الطفولة معها، طفل صغير يبحث عن لعبته و هذه أكبر مشاكله يا الله لا يوجد أجمل من ذلك، اعتدل بجلسته حتى يكون مقابلا لها ثم قال بحماس : _ لقيتي العروسة يا أستاذة همت... حدقت به بغيظ قائلة : _ إيه أستاذة دي بتتريق عليا عشان أنا مش بحب المذاكرة... حرك رأسه بسرعة نافيا لا يريد اغضابها، فقط يود قضاء أكبر وقت ممكن معها، أجابها : _ لأ مش بتريق عليكي قوليلي الأول لقيتي العروسة فين و بعدين ابقي قوليلي مش عايزة تذاكري ليه ماشي... أومأت إليه و بدأت في الحديث معه بعفوية، تتعامل كأنها تعرفه من سنوات رغم خوفها من الجميع حتى أقرب الأقربين، تخشى التعامل مع أي شخص بالمنزل بخلاف سندها و جدتها و هذا الغفير الذي كان يتحدث معها فهو بداخل منزلهم من سنوات... ضحكت بمرح متحدثة : _ العروسة مكنتش ضايعة أنا بس نسيت إن أبيه سند أخدها يعالج عينيها و دلوقتي جابها من عند الدكتور... رد عليها باهتمام شديد : _ طيب و المذاكرة اللي عليكي بقى يا شاطرة مش بتذاكري ليه؟!.. مدت شفتيها إلى الأمام بحزن : _ الكلام صعب عليا أنا مش بحب الحاجات دي بس أبيه سند مصمم و كمان الميسات كلهم وحشين و مش بيحبوا همت أبداً أبداً... من ذلك الأحمق الذي لا يحبها و هي قابلة للأكل بمظهرها و بساطتها تلك، نهر نفسه بشدة أهو ينظر إلى فتاة مريضة ببراءة طفلة لا تعي أي شيء عن أفكاره القذرة، انتبه إلى حركة كفها أمام وجهه بغضب : _ روحت فين مش بترد ليه، بتنام و أنت قاعد و الا ايه؟!... ابتسم إليها ثم قال بلا وعي : _ ايه رأيك لو أذاكر ليكي أنا بدل المدرسين.. _ بجد طبعاً موافقة... __________ في الثانية بعد منتصف الليل... جسدها يطلب النجدة من شدة الألم الذي يأكلها، الأرض كسرت عظمها اعتدلت بجلستها، شهقت من الاعتدال فجأة، أخذت تلعنه من بين أسنانها و تلعن اليوم الأسود الذي رأته به، وضعت كفها على رقبتها و ظهرها هامسة بغل : _ الله ياخدك يا بعيد مش عارفة أتحرك... أقوم إزاي أنا بس.. قامت مثل شخص قائم من حادث سير تنظر للفراش الذي ينام عليه الآخر بسلام، لم تشعر بنفسها إلا و هي تأخذ الوسادة من على الأرض و تلقى بها على وجهه بغضب قائلة : _ معدوم الرجولة بقى نايم مرتاح كأنها اوضتك و سيبني كدة على الأرض، و معدوم الدين كمان مخمود معايا في نفس الأوضة يا واطي... _ خلصتي قلة أدب و الا لسة؟!... اتسعت عيناه من استيقاظه و سماعه لها مع إن صوتها منخفض، أخذ الوسادة من على وجهه ثم ألقاها بكل سهولة على هدفه المحدد لتستقر على وجهها.. صرخت بوجع قوي قائلة : _ ايه يا جدع أنت فاكر نفسك بتهزر مع غفير من بتوعك، وشي وجعني... أجابها بسخرية و هو مازال متسطح : _ مهو أنا مش عايزها بس توجعك عايزها تكسر رقبتك بس أوعي تخافي هجبسك... عند الدكتور فتحي في الزريبة تحت... لماذا لم تنقض عليه و تنزل بكفها الرقيق على وجهه لتريح قلبها؟!.. بالحقيقة لا تعلم... لا هي تعلم خائفة من جبروت هذا الرجل، رفعت رأسها بشموخ مردفة التشهد قبل أن تجيبه : _ و أنت بقى يا سند بيه فاكر إن أي دكتور ينفع معاك ينفع معايا؟!.. هبت بعدها عاصفة لتغلق عينيها بقوة منتظرة الضربة من أي مكان بلا سابق إنذار، طال انتظارها و لم تشعر بشيء، فقط تسمع تكسير أشياء من حولها، فتحت عين ترى بها ما يحدث و الأخرى مغلقة بأمان، لتجده كسر الطاولة الموضوعة بجانب الفراش، عادت إلى إغلاق الاثنتين مرة أخرى... حاول بقدر المستطاع السيطرة على رد فعله، رغم أنه مستمتعا بها إلا أنها تخطت جميع الحدود، ضرب الطاولة ضربة واحدة ليريح أعصابه المشدودة قليلا، بالنهاية لم يتحمل يريد التهام تلك الفتاة ليتخلص منها... قام من على الفراش بخطوات سريعة قبل أن يجذب الغطاء الموضوع بأحضانها إليه لتأتي مع الغطاء بشكل لا إرادي، ابتسم رغما عنه مع مظهرها الطفولي الرائع قائلا بهدوء : _ اتعلمي لما تكوني مش اد الكلمة إياكي تخليها تخرج من بين شفايفك لأنها هتكون خلاص اتحسبت عليكي و لازم تتحملي رد الفعل... افتحي عينيك... هزت رأسها برفض ليهمس لها بخبث ذكوري واضح من اللهجة و التلاعب بالكلمات : _ شكلك كدة بيقول حاجات مش كويسة، أنتي صاحية في نص الليل و عملتي كل ده ليه يا وعد، مش أنا قولتلك قبل كدة يا روحي ماليش في الحرام... نجح بمهارة بإثارة غضبها، فتحت عينيها قائلة بنبرة غاضبة : _ أنت تقصد ايه؟ إحترم نفسك، أنا صحيت من وجع ضهري و جسمي مش أكتر و لما لقيتك نايم مرتاح قولت اديك بحاجة على دماغك عشان أقلق منامك زيي، أوعى دماغك تروح لتفكيرك القذر زيك ده... ضم شفتيها على بعضهما بكفه قائلا بغيظ : _ أنتي عارفة لو تبقى خرسة يا بت هتعيشي حياتك بسلام رهيب.. يلا غوري اتخمدي مش عايز أسمع عليكي نفس تاني... عدي ليلتك اللي شبه الكفن اللي لافة نفسك بيه ده... _ و لو قولت مش هتنام معايا في اوضة واحدة لو مش خايف مني أو من الراجل الغلبان اللي مستقوي عليه و حابسه تحت ده... و محلل لنفسك تنام مع مراته في اوضة واحدة، خاف من ربنا و الا مش خايف منه تبقى مصيبة.... أصابته بمكان قاتل بكل براعة، ضغط على كفه بقوة عجز عن إصدار أي ردة فعل، أخذ ينظر إليها لبضع ثواني لترد إليه النظرة بأخرى متحدية، تغيرت معالم وجهه بشكل كامل و ارتفعت دقات قلبه بعنف، ابتعد عنها سريعا متجها لباب الغرفة قبل أن يردف بقوة : _ خدي بالك المهزلة دي مش هتفضل كتير، أنا صابر بمزاجي يا دكتورة و الغلبان اللي تحت ده لسة حسابك عليه مجاش و لو طلع اللي في بالي صح هخرج بروحك، اتخمدي... _______________ بعد مرور ساعة أخرى... ارتدت ملابس الخروج خاصتها تاركة كل ما يخصها هنا حتى ملابسها لا تريدها ، فقط ستأخذ محمد و تعود إلى الإسكندرية من جديد.. نزلت إلى الحديقة لتجد الغفير يجلس بمكانه مثل العادة، أخفت نفسها خلف الجدران منتظرة معجزة من السماء تجعله يقوم من هنا، مرت ساعة أخرى و بدأ أذان الفجر ينتشر بالكفر، أخذت نفس مرتاح مع قيام الغفير للصلاة... ذهبت سريعا لتلك الغرفة التي رأت سند يعذب بها أحد الرجال من قبل لتجد بابها شبه مفتوح تعجب بالبداية إلا أنه لا يوجد أي وقت للتفكير، دلفت لتجد محمد نايم براحة شديد عضت على شفتيها بغضب و هي تضربه بصدره هامسة من بين أسنانها : _ قوم يا موكوس، ليك قلب تنام و أنت مخطوف كأنك نايم في بيت أبوك... استيقظ الآخر بفزع من حركتها تلك وجدها أمامه ليقول بعدم فهم : _ وعد أنتي بتعملي ايه هنا، لو الكبير شافك هيطلع بروحي و روحك.. ضربته من جديد قائلة : _ الله يكسفك يا شيخ فين رجولتك و أنت خايف منه كدة، بقى ده كلامك ليا زمان أنا سندك و ضهرك و محدش هيقدر يقرب منك... _ هو ده وقت حساب يا وعد أنا متنيل على عيني مربوط هعملك إيه ده أنا مش قادر أدافع عن نفسي أنتي قولتي إنه مفتري بس مقولتيش إنه لما بيجوع بيأكل فخد بني آدم.... أغلقت عينيها لعدة ثواني فهذا الرجل لا يوجد به أي فائدة ثم فتحتها مرة أخرى مردفة بنفاذ صبر : _ طيب يلا يا سبعي نهرب قبل ما الغفير و سي سند ما ييجوا من صلاة الفجر، خليني أنقذك و أنقذ نفسي... أجابها بضيق : _ نمشي ليه بس يا وعد أنا لقيت شغل كويس هنا هدي همت دروس... صرخت فجأة بغل : _ محمد أنا مش بهزر سند ممكن يقتلك قوم بقى.... _ جوزك بنفسه مش عايز يمشي يا دكتورة.. القعدة هنا جات على مزاجه.... ____________