الفصل الثامن و الاربعون من رواية حارة الدخاخني للكاتبة اسماء المصري
الفصل الثامن و الاربعون من رواية حارة الدخاخني

بلل حمزة شفتي بطرف لسانه واقترب منه بتوجس:
-وملك؟ ملك دورها ايه في كل ده؟ هتفضل محبوسه هنا؟
نفى موضحاً:
-أكيد لأ، أنت مش كنت عايزها تبدأ بداية جديدة بعيد عن كل اللي شافته وعاشته، أهي جت الفرصة وتقدر تسافر وتعيش حياتها بعيد عن عزام والحارة وكل حاجه مضيقاها ولو عازت حسن معاها، هسفرهم سوا.
••••
كان بيت عايدة في الحارة غارقًا في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت بكائها المتواصل، ذلك البكاء الذي لم يعد يشبه دموع امرأة فقدت ابنتها، بل يشبه صرخة طويلة خرجت من قلبها ولم تجد طريقًا للعودة.
جلست عايدة على طرف الفراش، ترتدي ثوبًا أسود، وشعرها مبعثر حول وجهها، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.
كانت كلما حاولت إحدى النساء الاقتراب منها أبعدتها بيد مرتجفة، ثم تعود لتحدق أمامها وكأنها تنتظر أن تدخل ملك من الباب في أي لحظة.
جلست أم حسن إلى جوارها، بينما كانت صفية على الجانب الآخر، وحولهما عدد كبير من نساء الحارة.
وضعت أم حسن كوبًا من الماء أمام عايدة وقالت برفق:
-اشربي يا أم يوسف عشان خاطري اشربي حتى شوية.
هزت عايدة رأسها بعنف:
-مش عايزة.
=طب لقمتين، من الصبح وإنتي مدخلش جوفك حاجة.
رفعت عايدة عينيها إليها، وقالت بصوت مبحوح:
-آكل إزاي يا أم حسن؟ آكل إزاي وملك من غير أكل ولا شرب، بنتي ماتت، ملك ماتت يا أختي.
ارتجف صوتها عند آخر كلمة، ثم وضعت كفها فوق صدرها.
-بنتي ماتت يا أم حسن… أنا كنت لسه مكلماها قبل ما تسافر مع ابنك، ملحقتش تتهنى بحلمها اللي فضلت تحلم بيه طول عمرها، ملحقتش تتهنى بحبها لحسن في النور.
بدأت تبكي من جديد، فاقتربت إحدى نساء الحارة وربتت فوق كتفها:
-ربنا يصبر قلبك يا يوسف.
انتفضت عايدة:
-يصبرني على إيه؟ يصبرني على بنتي اللي اتدفنت قدامي؟ ولا يصبرني على إني مش هسمع صوتها تاني؟
ساد الصمت فخفضت صفية عينيها وهي تمسح دموعها بطرف حجابها، بينما قالت أم حسن:
-ملك كانت زي بنتي بالظبط… ربنا يعلم أنا كنت بحبها قد إيه، وابني يا حبة عيني من ساعة العزا وهو مش دريان بنفسه.
نظرت إليها صفية بحزن.
-كلنا كده يا أختي.
ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
-بس أنا أكتر واحدة حاسة بيكي يا عايدة عشان ملك دي بنتي أنا كمان.




